اليمين الإيراني المعارض واليمين الأوروبي الشعبوي:

اليمين الإيراني المعارض واليمين الأوروبي الشعبوي:

تقاطعات الهوية والسياسة

لم تكن التظاهرة التي شهدتها العاصمة البريطانية لندن الأسبوع الماضي مجرّد تجمّع اعتيادي لليمين الشعبوي الأوروبي، بقدر ما مثّلت انعكاساً مكثفاً لتحولات أعمق تشهدها البيئات القومية المحافظة في الغرب، ولا سيما في ما يتعلق بخطاب الهوية، والهجرة، والإسلام، والعلاقة مع الآخر الثقافي والحضاري. غير أن ما استوقف المراقبين في ذلك المشهد لم يكن فقط حجم الشعارات المعادية للمهاجرين أو الحضور الكثيف للرموز المرتبطة باليمين المتطرف البريطاني، بل المشاركة الواضحة لقطاعات من التيار الملكي الإيراني في المنفى، التي رفعت أعلام النظام الملكي السابق ذات شعار «الأسد والشمس» إلى جانب الأعلام البريطانية والإسرائيلية، ضمن فضاء سياسي يقوم أساساً على سردية «الدفاع عن الحضارة الغربية» في مواجهة ما يُقدَّم بوصفه تهديداً ديموغرافياً وثقافياً متصاعداً.

وقد اكتسب هذا الحضور دلالته السياسية من طبيعة السياق الذي جاء فيه. ففي المسيرة التي نظّمها تيار «اتحاد المملكة» البريطاني، ظهر تومي روبنسون وهو يرفع صورة رضا بهلوي، متحدثاً عن دعمه لما وصفه بـ«البديل الوطني الإيراني»، ومؤكداً تضامنه مع من «يناضلون من أجل الحرية والهوية الوطنية وحرية التعبير». أهمية هذا المشهد لا تكمن في العبارات العامة المتعلقة بالحرية، بقدر ما تكمن في الإطار الأيديولوجي الذي قيلت فيه؛ أي داخل منصة سياسية تُعرَف بخطابها المتشدد تجاه الإسلام والهجرة، وبسعيها إلى إعادة تعريف الهوية الوطنية الأوروبية على أسس ثقافية وحضارية مغلقة.

وفي هذا السياق، لم تعد العلاقة بين بعض الأوساط الملكية الإيرانية واليمين الشعبوي الغربي تبدو مجرّد تقاطع ظرفي في الموقف من الجمهورية الإسلامية، بل باتت تعكس، في بعض مستوياتها، تقارباً أعمق في الرؤية إلى الدولة والهوية والثقافة وموقع إيران الحضاري. فجزء من الخطاب المتداول داخل هذه الأوساط لم يعد يكتفي بنقد النظام الإيراني أو رفض الإسلام السياسي، بل اتجه تدريجياً نحو مقاربة أوسع ترى في الإسلام ذاته سبباً تاريخياً لأزمة إيران الحديثة، وتتعامل مع الهوية الإسلامية بوصفها عبئاً حضارياً حال دون انتماء إيران إلى فضائها «الطبيعي» المفترض.

من نقد الإسلام السياسي إلى الإسلاموفوبيا الثقافية

تقتضي القراءة الموضوعية لهذا التحول التمييز بين نقد الإسلام السياسي بوصفه تجربة سلطوية ارتبطت بالجمهورية الإسلامية، وبين الانتقال إلى خطاب ذي طبيعة ثقافية وحضارية أقرب إلى الإسلاموفوبيا. فثمة فارق جوهري بين الاعتراض على توظيف الدين في المجال العام، وبين إعادة تعريف الهوية الوطنية على أساس القطيعة مع المجال الإسلامي والشرق أوسطي برمّته.

لقد تبلورت داخل بعض الاتجاهات القومية الإيرانية، منذ بدايات القرن العشرين، سردية تقوم على تقديم إيران بوصفها فضاءً «آرياً» نسبة إلى العرق الآري الذي أبتنت عليه اطروحات عنصرية مثل النازية، تجد إيران أقرب إلى أوروبا منها إلى الشرق الأوسط. وقد تعزز هذا التصور خلال العهد البهلوي، حيث جرى توظيف التاريخ ما قبل الإسلامي باعتباره مرجعية قومية مركزية، في مقابل التعامل مع المرحلة الإسلامية بوصفها لحظة انقطاع أو تراجع في المسار الحضاري الإيراني.

ومن هنا يمكن فهم جانب من الانجذاب المتبادل بين بعض الأوساط الملكية الإيرانية والتيارات اليمينية الأوروبية التي تبني خطابها على مفاهيم الهوية الحضارية، والخوف من التحولات الديموغرافية، والنظر إلى الإسلام باعتباره تهديداً ثقافياً للغرب. كما يمكن فهم الحضور المتكرر للأعلام الإسرائيلية داخل بعض التجمعات الملكية الإيرانية في أوروبا وأميركا الشمالية، في ظل تشكل تقاطعات سياسية متزايدة بين قطاعات من المعارضة الملكية الإيرانية وبعض الأوساط اليمينية الغربية المؤيدة لإسرائيل.

كما لعبت تحولات الشتات الإيراني دوراً إضافياً في هذا المسار. فخلال العقود الماضية، غيّر عدد لايستهان به من الإيرانيين المقيمين في الغرب، بلغ بحسب بعض المراقبين مئات الآلاف انتماءاتهم الدينية أو الثقافية، سواء باتجاه المسيحية أو الزرادشتية أو اللادينية، وغالباً ما ارتبط ذلك بالاحتجاج على تجربة الجمهورية الإسلامية أو رفض توظيف الدين في السياسة. غير أن هذا التحول اتخذ لدى بعض الأوساط طابعاً أكثر جذرية، بحيث لم يعد الإسلام يُنظر إليه باعتباره دين السلطة في إيران فقط، بل باعتباره عائقاً حضارياً ينبغي تجاوزه.

القومية المزاحة عن محيطها وتحالفات اليمين الغربي

وفي هذا السياق، يستخدم الباحث رضا ضياء إبراهيمي مفهوم «القومية الإزاحية\ Dislocative Nationalism » لوصف هذا النمط من التفكير، أي النزعة التي تحاول اقتلاع إيران من واقعها التاريخي والاجتماعي بوصفها بلداً مسلماً في الشرق الأوسط، وإعادة تخيلها كأمة أوروبية ضائعة، أو كجزء من فضاء آري منفصل عن العالم الإسلامي والعربي. ووفق هذا التصور، لا يعود الإسلام مجرد دين أو تجربة سياسية، بل يتحول إلى رمز للانحطاط التاريخي الذي ينبغي تجاوزه لاستعادة «إيران الأصلية».

ومن هنا لا تبدو المصادفة وحدها هي ما جمع أعلام «الأسد والشمس» بأعلام اليمين المتطرف الأوروبي في شوارع لندن. فهناك شعور متزايد لدى بعض هذه الأوساط بأنها أقرب ثقافياً وسياسياً إلى الغرب القومي المحافظ منها إلى الشرق الأوسط الإسلامي. وقد عبّر محمد رضا شاه، في أكثر من مناسبة، عن رؤية تعتبر أن المجال الحضاري الطبيعي لإيران هو الغرب لا الشرق الأوسط، وهي رؤية ما زالت حاضرة بدرجات متفاوتة داخل بعض البيئات الملكية المعاصرة.

ولا يقتصر هذا التقاطع على البعد الخطابي أو الرمزي، بل يمتد إلى المجال السياسي والأمني. فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حملات التخوين والتشهير والتهديد داخل بعض أوساط الشتات الإيراني، ولا سيما ضد الأصوات المعارضة للاصطفاف مع اليمين المتطرف الغربي. كما برزت، في بعض المناسبات، محاولات لإعادة تقديم رموز مرتبطة بالأجهزة الأمنية في العهد البهلوي، بما فيها «السافاك»، ضمن خطاب يتعامل مع الدولة الأمنية السابقة بوصفها نموذجاً للاستقرار والانضباط، لا بوصفها جزءاً من تاريخ القمع السياسي في إيران.

وفي المقابل، يجد اليمين الشعبوي الأوروبي في بعض هذه الأوساط الإيرانية نموذجاً مناسباً لتعزيز سرديته المعادية للإسلام؛ إذ يُقدَّم الإيراني «العلماني المناهض للإسلام السياسي» بوصفه شاهداً على المخاطر التي يدّعي هذا اليمين أنها تهدد أوروبا نتيجة الهجرة والتحولات الثقافية. وبهذا المعنى، لا يعود التقارب بين الطرفين مجرد تلاقٍ مرحلي في المصالح، بل يتحول إلى جزء من بنية خطابية أوسع تتداخل فيها القومية الثقافية مع الإسلاموفوبيا والسياسات الأمنية العابرة للحدود.

مفارقة السيادة وسؤال البديل السياسي

تظهر هنا مفارقة سياسية وفكرية بالغة الدلالة. فالتيار ذاته الذي يرفع خطاب «سلامة الأراضي الإيرانية» في مواجهة المطالب القومية أو الفدرالية الداخلية، لا يجد تناقضاً في الترحيب بالعقوبات أو الضغوط الخارجية، بل وحتى بالضربات العسكرية ضد إيران، بوصفها وسائل مشروعة لإضعاف النظام القائم.

علماً من الناحية السياسية والقانونية، مفهوم «سلامة الأراضي» يُستخدم أساساً في مواجهة التدخلات الخارجية ومحاولات الاعتداء على سيادة الدول، لا في مواجهة مكونات المجتمع المختلفة أو المطالب السياسية الداخلية، لأن الشعوب تبقى مصدر الشرعية والسلطات، ومن حقها مناقشة شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي والعلاقة بين المركز والأطراف ضمن الأطر السياسية والدستورية وحق تقرير المصير . أما تحويل هذا المفهوم إلى أداة لتخوين الخصوم الداخليين، بالتزامن مع تأييد التدخلات العسكرية الأجنبية، فهو يكشف عن تناقض واضح بين الخطاب والممارسة.

كما أن الإشكال هنا لا يتعلق بمجرد معارضة النظام الإيراني أو نقد الإسلام السياسي، فذلك جزء طبيعي من أي نقاش سياسي وفكري، بل يتعلق بطبيعة المشروع البديل الذي يجري الترويج له داخل بعض هذه الأوساط. فالمعارضة التي تُبنى على أسس ديمقراطية تعددية لا يمكن أن تقوم على الإقصاء الثقافي أو إعادة تعريف الوطنية على أساس عرقي أو حضاري ضيق، كما أن مقاومة الاستبداد لا تكتسب مشروعيتها من مجرد الخصومة مع السلطة القائمة، بل من قدرتها على تقديم تصور أكثر انفتاحاً وعدالة وتعدداً.

ومن هنا تبدو التحولات الجارية داخل بعض التيارات الملكية الإيرانية مؤشراً على أزمة تتجاوز الصراع مع الجمهورية الإسلامية نفسها، لتطرح إشكالية تتعلق بطبيعة الهوية السياسية التي يجري بناؤها في المنفى لدى بعض المعارضة، وحدود العلاقة بينها وبين اليمين الشعبوي الغربي، وخطابات الهوية الحضارية العابرة للحدود. من هنا يبقى السؤال الأهم: هل تسعى هذه التيارات باعتبارها جزء من المعارضة، فعلاً إلى بناء مشروع ديمقراطي بديل للجمهورية الإسلامية، أم أنها تريد أن تعيد إنتاج قومية إقصائية جديدة، تختلف مع النظام القائم في الشكل والرموز، لكنها تلتقي معه في تعريف الوطنية والهوية الإيرانية وحدود الانتماء المشروع؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

بيان صادر عن حزب التضامن الديمقراطي الأهوازي

بيان صادر عن حزب التضامن الديمقراطي الأهوازي يدين حزب التضامن الديمقراطي الأهوازي بأشد العبارات الاعتداء …