الفيدرالية: استراتيجية وتكتيك في آنٍ واحد
محاضرة الدكتور كريم عبديان في مؤتمر تورنتو: «مستقبل إيران عبر مسار الدستور»
السبت 29 أغسطس/آب 2026 – تورنتو، كندا
مقدمة: الفيدرالية بوصفها استراتيجية وتكتيكاً
ينطلق هذا النقاش من فرضية مفادها أن استمرار البنية الحالية للجمهورية الإسلامية لا يتيح إمكانية إحداث تحول جذري أو تحقيق انتقال مستدام نحو الديمقراطية والحرية والمساواة. وبعبارة أكثر وضوحاً، فإن أي محاولة للإصلاح ضمن الإطار القائم لا تفضي إلى تغييرات بنيوية، بل تسهم في إعادة إنتاج النظام القائم نفسه. ومن هنا، فإن مستقبل إيران السياسي يتطلب الانتقال من هذا النظام وتصميم بنية سياسية جديدة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى طرح شعار الفيدرالية بوصفه تكتيكاً واستراتيجية في الوقت نفسه:
الفيدرالية بوصفها تكتيكاً: تعني قبولها هدفاً مرحلياً يساهم في توحيد القوى المعارضة للجمهورية الإسلامية وتجاوز أحد أبرز الخلافات السياسية القائمة بينها. فمن جهة، توجد القوى السياسية المركزية والفارسية المحور التي تشدد على الحفاظ على دولة مركزية، ومن جهة أخرى توجد القوى السياسية المنتمية إلى الشعوب غير الفارسية، التي تطالب بإنهاء مركزية السلطة وإقامة نظام لا مركزي وفيدرالي.
ويمكن للفيدرالية التكتيكية أن تشكل جسراً للحوار والتكامل بين هذه التيارات، من دون أن يضطر أي منها إلى التخلي عن مواقفه الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، يمكنها أن تتيح تشكيل وتمثيل هيئة موحدة على المستوى الدولي.
الفيدرالية بوصفها استراتيجية: تعني النظر إلى الفيدرالية، ليس باعتبارها مجرد وسيلة للانتقال السياسي، وإنما بوصفها الإطار المنشود والضروري للبنية السياسية المستقبلية لإيران. ويركز هذا التصور بعيد المدى على إمكانية الحفاظ على وحدة البلاد، وتحقيق الاستقرار السياسي والديمقراطية والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية ضمن إطار لا مركزي.
المحور الأساسي للنقاش: النظام السياسي المستقبلي لإيران
يعتمد اختيار النظام السياسي المناسب على مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والاقتصادية والأمنية. وإذا كان البلد متعدداً قومياً ولغوياً وثقافياً ودينياً، فإن العوامل الآتية تكتسب أهمية حاسمة:
مستوى الثقة بين الشعوب والمجتمعات المختلفة والحكومة المركزية؛
طريقة توزيع السلطة السياسية؛
التركيبة السكانية وتوزيع السكان؛
كيفية توزيع الموارد الطبيعية والاستفادة منها؛
مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛
مستوى التعليم والوعي السياسي؛
درجة ترسخ الديمقراطية وسيادة القانون؛
وجود تجربة تاريخية للتعايش السياسي بين المجموعات المختلفة أو غيابها.
وتؤدي هذه العوامل دوراً مباشراً وحاسماً في نجاح أي بنية سياسية أو فشلها، ولذلك ينبغي مراعاتها بصورة متزامنة ومنهجية عند تصميم النظام السياسي المستقبلي.
لنقل الخلاصة منذ البداية
استناداً إلى مجمل العوامل المذكورة، أعتقد أن نظاماً جمهورياً لا مركزياً وفيدرالياً لا يمثل البنية السياسية الأنسب لمستقبل إيران فحسب، بل قد يكون الفرصة الحقيقية الوحيدة لتحقيق التقدم والتنمية المستدامة، وإقامة نظام حر وديمقراطي وتقدمي يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية. وسأشرح في ما يأتي أسباب هذا الرأي بالتفصيل.
أسباب ضرورة الفيدرالية في إيران
الأسباب التاريخية
يُظهر التاريخ السياسي لإيران أن بنية الحكم، وعلى مدى قرون، لم تكن في كثير من المراحل مركزية بالشكل الذي نعرفه اليوم، بل كانت تُدار بطريقة لا مركزية وتحمل سمات شبيهة بالفيدرالية التقليدية.
فمنذ بداية العصر الصفوي في أوائل القرن السادس عشر وحتى ما قبل وصول رضا شاه إلى الحكم، أي خلال فترة تقارب خمسة قرون، كانت التقسيمات الإدارية تقوم على أساس الأقاليم والولايات، وكانت كل منطقة تتمتع بدرجة من الحكم الذاتي في إدارة شؤونها الداخلية. وقد اتبعت الحكومات الصفوية والأفشارية والزندية والقاجارية، كلٌّ بطريقتها، هذا النمط اللامركزي.
لذلك، لا يمكن اعتبار الفيدرالية مجرد مفهوم مستورد أو غريب عن تاريخ إيران؛ إذ يمكن بوضوح ملاحظة بعض عناصر اللامركزية والإدارة الذاتية الإقليمية في تاريخ البلاد. ويوفر هذا الإرث التاريخي أرضية مناسبة لإحياء بنية فيدرالية حديثة وديمقراطية.
الاتساع الجغرافي لإيران
إيران دولة شاسعة تضم مناطق جغرافية شديدة الاختلاف من حيث المناخ والتضاريس وإمكانية الوصول إلى الموارد المائية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وحتى لو افترضنا أن إيران دولة متجانسة تماماً من الناحيتين القومية واللغوية، فإن اتساع أراضيها والتباينات الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية بين مناطقها المختلفة تبرر، في حد ذاتها، الحاجة إلى نظام لا مركزي أو فيدرالي.
وقد أثبتت تجارب دول واسعة وناجحة، مثل ألمانيا والولايات المتحدة والبرازيل وكندا والهند وأستراليا، أن البنى الفيدرالية لا تساعد على تحقيق الاستقرار والتنمية فحسب، بل تقدم أيضاً استجابات أكثر ملاءمة للاحتياجات المحلية.
التنوع القومي واللغوي والثقافي والديني والجغرافي
تُعد إيران من أكثر دول المنطقة تنوعاً من الناحية القومية واللغوية والثقافية والدينية. ويعيش فيها عدد من الشعوب، مثل العرب والترك، بمن فيهم الأذربيجانيون والتركمان والقشقائيون، إضافة إلى الفرس والكرد والبلوش واللور، فضلاً عن مجموعات قومية ودينية أخرى، مثل الأرمن والآشوريين والكلدان والصابئة المندائيين.
وهذا التنوع حقيقة تاريخية واجتماعية لا يمكن القضاء عليها من خلال سياسات الصهر القسري؛ بل إن تلك السياسات تحول التنوع إلى مصدر للتوتر والقمع.
وعلى البنية السياسية المستقبلية لإيران أن تتعامل مع هذا التنوع، لا بوصفه تهديداً، وإنما باعتباره ثروة وطنية وخلاصة لتجارب تاريخية مرت بها شعوب ومجتمعات أخرى، وأن تعترف به رسمياً.
ويمكن للفيدرالية أن توفر إطاراً يتيح الحفاظ على الوحدة الجغرافية والسياسية، بالتوازي مع حماية التنوع القومي واللغوي والثقافي وإتاحة المجال لازدهاره.
إرث أكثر من قرن من المركزية والقومية الفارسية المحور
شهدت إيران خلال أكثر من قرن، ولا سيما منذ عهد رضا شاه، تركيزاً متزايداً للسلطتين السياسية والإدارية في طهران، إلى جانب تطبيق سياسات قسرية للصهر والتوحيد اللغوي والثقافي. وقد أسهم ذلك في تهميش عدد كبير من الشعوب غير الفارسية، فضلاً عن بعض الأقليات الدينية والمذهبية.
وفي سياق هذه العملية، ساعدت القومية الفارسية المحور، بالتنسيق مع المؤسسات الدينية الشيعية وبدعم منها، في تعزيز المركزية وتقييد حقوق الشعوب غير الفارسية وهوياتها.
وكانت نتيجة هذه السياسات تراكم مشاعر التمييز وانعدام الثقة والاستياء لدى المجتمعات المهمشة التي تعرضت لاضطهاد مضاعف. وإذا لم تتم الاستجابة لهذه المظالم في الوقت المناسب، فقد تتحول، بدلاً من أن تكون أساساً للتعاون والبناء، إلى عامل يؤجج الصراعات والعنف، وربما الحرب الأهلية.
ومن هذا المنظور، تمثل الفيدرالية وسيلة لتحويل مشاعر الاستياء وانعدام الثقة إلى تعاون ومشاركة وبناء مشترك.
تنامي الوعي السياسي والمطالبة بحق تقرير المصير
شهدت العقود الأخيرة، ولا سيما بفضل ثورة المعلومات وانتشار الإنترنت، ارتفاعاً غير مسبوق في مستوى الوعي السياسي والاجتماعي لدى الشعوب غير الفارسية والمجتمعات المهمشة.
ولم تعد المطالبة بالحقوق القومية واللغوية والثقافية والسياسية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، مسألة محصورة في النخب السياسية؛ بل تحولت إلى وعي عام لا يمكن احتواؤه من خلال وسائل القمع التقليدية أو التجاهل.
وبعبارة أخرى، فإن ما كان من الممكن في الماضي إخفاؤه أو قمعه، بصورة علنية أو غير علنية، ضمن إطار السياسات المركزية، أصبح اليوم مطلباً سياسياً واضحاً وواسع النطاق؛ فقد «خرج المارد من القمقم».
وعليه، فإن الحل المستدام لا يتمثل في قمع هذه المطالب، بل في إنشاء بنية سياسية تستطيع الاستجابة لها ضمن إطار الديمقراطية والدستور والمؤسسات المستقلة.
تنامي الوعي والدعم الدوليين
سعت المنظمات السياسية وممثلو الشعوب غير الفارسية، خلال العقود الماضية، إلى طرح قضايا التمييز القومي واللغوي والمذهبي على المستويين الإقليمي والدولي.
ونتيجة لذلك، ازداد الوعي والحساسية داخل المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية والرأي العام العالمي تجاه قضايا مثل التمييز القومي، ومعاداة العرب، والتمييز ضد السنة، ورهاب الكرد، وغيرها من أشكال التمييز.
وقد يؤدي استمرار الوضع الحالي من دون تقديم حل سياسي ديمقراطي وشامل إلى تعميق الفجوة بين المركز والمناطق المختلفة، وزيادة عزلة إيران على المستوى الدولي.
ويمكن للفيدرالية أن تقدم استجابة سياسية وقانونية وديمقراطية لهذه المطالب، وأن تحسن صورة إيران أمام المجتمع الدولي.
الفيدرالية والحد من احتمالات النزوع إلى الانفصال
من أبرز الحجج المؤيدة للفيدرالية أن التوزيع الحقيقي والمضمون للسلطة يمكن أن يقلص بشدة دوافع النزوع إلى الانفصال عن المركز.
ففي النظام الفيدرالي، يستطيع المواطنون والمجتمعات المحلية الحفاظ على هوياتهم القومية واللغوية والثقافية، وفي الوقت نفسه المشاركة ضمن إطار سياسي مشترك.
وفي مثل هذا النظام، يمكن أن يكون الولاء السياسي على مستويين: الولاء للوحدة الفيدرالية، أي الإقليم أو الولاية، والولاء في الوقت نفسه إلى الحكومة المركزية والجمهورية الفيدرالية الإيرانية.
ولا يتعارض هذان المستويان من الولاء بالضرورة؛ بل يمكن أن يشكلا أحد أسس التعايش السياسي في بلد متعدد القوميات، وأن يؤسسا لولاء قائم على الرضا والمصالح المتبادلة، بدلاً من الولاء المفروض بالقوة.
كما تُظهر التجربة التاريخية لإيران أنه كلما ضعفت الحكومة المركزية، ظهرت في بعض المناطق حركات سياسية تطالب بالحكم الذاتي. ويمكن مشاهدة نماذج من ذلك في حركة الغابة، وحركة الشيخ محمد خياباني، وانتفاضة العقيد محمد تقي خان بسيان، والتطورات التي شهدتها أذربيجان وكردستان وعربستان/الأهواز في مراحل تاريخية مختلفة.
وتثبت هذه التجربة أن المركزية لا تضمن بالضرورة وحدة إيران؛ بل قد تتحول هي نفسها إلى عامل يؤدي إلى التفكك.
الفيدرالية بوصفها أحد تجليات الديمقراطية
الفيدرالية ليست مجرد تقسيم إداري أو اقتصادي؛ فإذا صُممت بطريقة صحيحة، يمكن أن تكون إحدى أعمق الأدوات لتحقيق الديمقراطية.
فالديمقراطية تعني مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم. وينبغي ألا تقتصر هذه المشاركة على مستوى الحكومة المركزية، بل يجب أن تكون ممكنة على مختلف المستويات السياسية والمحلية والإقليمية.
وتمنح الفيدرالية مفهوم «الوحدة في إطار التعدد» بنية سياسية ملموسة وقابلة للتطبيق. ففي مثل هذا النظام، تتوزع السلطة بين مستويات الحكم المختلفة، ولا يستطيع أي مركز للسلطة أن يحتكر جميع الصلاحيات السياسية بسهولة.
ومن هذا المنطلق، يمكن للفيدرالية أن تشكل أحد العوائق الأساسية أمام إعادة إنتاج الديكتاتورية، سواء حملت اسم الجمهورية أو أي مسمى سياسي آخر.
النتيجة الأولى: لماذا الفيدرالية؟
استناداً إلى مجمل العوامل التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية والثقافية السابقة، يمكن الاستنتاج أن الجمهورية اللامركزية والفيدرالية هي البنية الأنسب لمستقبل إيران.
ومن شأن هذه البنية أن:
تعزز الديمقراطية على المستويين المحلي والوطني؛
تضمن المساواة السياسية ومساواة المواطنة لجميع الشعوب؛
تساعد على تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الموارد بصورة عادلة؛
تعترف بالحقوق القومية واللغوية والثقافية للمجتمعات المختلفة؛
تهيئ الظروف لممارسة حق تقرير المصير الداخلي، ضمن الحدود الحالية المعترف بها، واستناداً إلى القانون والمؤسسات الديمقراطية على المستويين المحلي والمركزي؛
تعزز الثقة المتبادلة بين المناطق والحكومة المركزية؛
تمنع إعادة إنتاج الاستبداد والديكتاتورية، تحت أي مسمى وفي أي مرحلة.
الفيدرالية وحل الخلافات بين المركز والمناطق
من أبرز مزايا الفيدرالية أنها تنشئ إطاراً قانونياً ومؤسسياً لحل الخلافات بين الحكومة المركزية والوحدات الفيدرالية.
وتشمل هذه الخلافات موضوعات مثل:
الضرائب والرسوم؛
استثمار عائدات النفط والغاز والمعادن وتوزيعها؛
توزيع السلطتين السياسية والإدارية؛
مسؤوليات كل مستوى من مستويات الحكم؛
حدود صلاحيات الوحدات الفيدرالية والحكومة المركزية؛
الموارد الطبيعية والقضايا البيئية؛
السياسات الثقافية والتعليمية.
ويمكن تسوية هذه القضايا استناداً إلى دستور توافقي ومضمون. وفي مثل هذه البنية، تُنظم العلاقات بين الحكومة المركزية والوحدات الفيدرالية على أساس الاتفاق المتبادل واحترام حقوق كل طرف وسيادة القانون.
ونتيجة لذلك، وبدلاً من إهدار طاقات البلاد ومواردها في النزاعات الداخلية، يصبح بالإمكان التركيز على الرفاه والتنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، والاستفادة المشتركة من الإمكانات البشرية والطبيعية والسياسية والجغرافية لإيران.
ما الفيدرالية؟
الفيدرالية نظام تتوزع فيه السلطة والسيادة، وفقاً للدستور، بين الحكومة الفيدرالية والوحدات المكونة لها، مثل الولايات أو المحافظات أو مناطق الحكم الذاتي.
ويجب أن تكون صلاحيات كل مستوى من مستويات الحكم واضحة وقانونية ومضمونة، وألا يتمكن أي طرف من انتهاك حقوق الطرف الآخر بصورة أحادية.
ويكون المواطنون في هذا النظام، في الوقت نفسه، مواطنين في وحدتهم الفيدرالية ومواطنين في الجمهورية الفيدرالية. وهذا هو مفهوم الولاء المزدوج: الانتماء إلى المنطقة والهوية المحلية، إلى جانب الانتماء إلى الدولة وبنيتها السياسية المشتركة.
خصائص النظام الفيدرالي الديمقراطي المقترح لإيران
يمكن أن يشتمل النظام الفيدرالي الديمقراطي في إيران على العناصر الآتية:
برلمانات إقليمية وبرلمان فيدرالي
تكون لكل وحدة فيدرالية حكومة وبرلمان منتخبان، إلى جانب برلمان فيدرالي لإدارة الشؤون المشتركة للبلاد، يتكون من مجلس وطني ومجلس شيوخ أو مجلس فيدرالي.
توزيع واضح للصلاحيات
يجب أن يحدد الدستور بوضوح الصلاحيات التي تقع ضمن اختصاص الحكومة الفيدرالية وتلك التي تدخل ضمن اختصاص الوحدات الفيدرالية.
كما ينبغي تحديد القضايا التي تُدار بصورة مشتركة، ووضع آليات واضحة للتنسيق بشأنها.
ضمان حقوق النساء والأقليات
ينبغي ضمان حقوق النساء والأقليات القومية واللغوية والدينية والمذهبية بصورة صريحة على المستويين الفيدرالي والإقليمي، وأن يُحظر قانوناً أي شكل من أشكال التمييز.
نظام قضائي مستقل
يجب إنشاء نظام قضائي مستقل ومحايد يتولى تسوية الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والوحدات الفيدرالية، وكذلك الخلافات التي قد تنشأ بين الوحدات الفيدرالية نفسها.
دستور يصعب تعديله بصورة أحادية
ينبغي ألا يكون إجراء تعديلات أساسية على الدستور ممكناً بمجرد قرار من الحكومة المركزية؛ بل يجب أن يتطلب أغلبية خاصة، مثل موافقة ثلثي أعضاء البرلمان الفيدرالي ومجلس الشيوخ، إضافة إلى موافقة أغلبية الوحدات الفيدرالية.
إيجاد التوازن بين الوحدة والتنوع
تهدف الفيدرالية إلى إيجاد توازن بين الوحدة والتنوع: الحفاظ على إطار سياسي مشترك، إلى جانب الاعتراف بالاختلافات القومية واللغوية والثقافية والمذهبية والإقليمية والجندرية وإتاحة المجال لازدهارها.
الإدارة المحلية والإقليمية
ينبغي أن تتمكن الوحدات الفيدرالية من اعتماد سياسات تتناسب مع احتياجاتها الاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية والاجتماعية.
كما يمكن أن تسهم المنافسة السليمة بين الوحدات الفيدرالية في زيادة الكفاءة والابتكار وتحقيق تنمية متوازنة في مختلف أنحاء البلاد.
مشاركة جميع المواطنين في السلطة
يشارك المواطنون، من خلال انتخابات حرة ونزيهة، في اختيار ممثليهم في المجلس الوطني أو المجلس الفيدرالي.
وفي الوقت نفسه، تشارك الوحدات الفيدرالية في عملية صنع القرار على المستوى الاتحادي من خلال ممثليها في مجلس الشيوخ أو في هيئة مشابهة.
وبهذه الطريقة، يُراعى في البنية السياسية مبدأ التمثيل السكاني، إلى جانب مبدأ المساواة بين الوحدات الفيدرالية.
حماية اللغات والثقافات
ينبغي ألا تقتصر السياسة تجاه لغات إيران وثقافاتها المختلفة على مجرد حمايتها، بل يجب أيضاً توفير الفرص لازدهارها.
وينبغي أن يتمكن كل فرد وكل مجتمع من الاعتزاز بهويته القومية واللغوية والثقافية، واستخدامها في المجال العام، من دون خوف أو تمييز أو ضغط.
لماذا لا تكفي الجمهورية المركزية والموحدة؟
لا يمكن تحقيق أي من المزايا السابقة بسهولة في ظل جمهورية موحدة وشديدة المركزية.
فالمشكلة الأساسية لا تتعلق بمجرد اختيار النظام الجمهوري أو باسمه؛ بل تتمثل في تمركز السلطة السياسية في المركز، وفي غياب الثقة التاريخية بين المركز وعدد كبير من مناطق إيران ومجتمعاتها.
وإذا حمل النظام السياسي المستقبلي اسم الجمهورية، لكنه حافظ على البنية المركزية السابقة نفسها وعلى علاقات القوة غير المتكافئة ذاتها، فسيظل خطر إعادة إنتاج انعدام الثقة والتمييز والاستياء، وصولاً إلى التفكك السياسي، قائماً.
لهذا السبب، لا يكفي تغيير اسم النظام أو استبدال الأشخاص الحاكمين؛ إذ يجب أيضاً إحداث تغيير جذري في بنية السلطة نفسها.
مبدأ أساسي: يجب أن يكون الاتحاد طوعياً ومضموناً
في الختام، لا بد من التأكيد على مبدأ بالغ الأهمية:
ينبغي أن يقوم الاتحاد السياسي المستقبلي لإيران على الرضا والاتفاق والضمان المتبادل بين الوحدات المكونة له، لا على الإكراه الذي يفرضه مركز قوي.
فالاتحاد القسري، حتى وإن بدا مستقراً في الظاهر، ينطوي في داخله على انقسامات يمكن أن تدفع البلاد نحو الانهيار عند وقوع أول أزمة.
لذلك، إذا تراجعت الحكومة المركزية مستقبلاً عن المبادئ والحقوق المضمونة في الدستور، وانتهكت الحقوق الأساسية للوحدات الفيدرالية، فيجب أن تتوافر آليات قانونية واضحة لحل الأزمة.
وفي حال فشل جميع الآليات الداخلية وحدوث انتهاك جوهري للاتفاق الفيدرالي، يمكن أن يتضمن الدستور آلية استثنائية ومعقدة للغاية تتيح تقرير المصير السياسي لإحدى الوحدات الفيدرالية. وقد تشمل هذه الآلية إجراء استفتاء، مع الالتزام بالمتطلبات القانونية وتحت إشراف جهة دولية محايدة، شريطة أن تكون هذه الآلية موضع اتفاق مسبق ومضمونة منذ البداية في الدستور.
وبهذه الطريقة تُحفظ الوحدة، لكنها لا تكون وحدة مفروضة بالقوة، بل اتحاداً تعاقدياً وديمقراطياً قائماً على الرضا المتبادل.
وبهذا المعنى، لا تمثل الفيدرالية مقدمة لتقسيم إيران، بل طريقاً للحفاظ عليها من خلال بناء الثقة وتحقيق المساواة والعدالة والمشاركة الحقيقية لجميع شعوبها ومجتمعاتها.
كلمة ختامية
تمثل الفيدرالية، وفقاً للتصور المطروح في هذا النص، استجابة للوقائع التاريخية والاجتماعية والسياسية في إيران.
ولا يُعد هذا النموذج مثالاً نظرياً مجرداً، بل حلاً عملياً لأزمات الثقة والمشاركة والشرعية التي يعانيها النظام السياسي الإيراني.
إن الاختيار بين الفيدرالية والمركزية القائمة هو، في حقيقته، اختيار بين إيران موحدة تقوم وحدتها على الرضا، وإيران مضطربة تقوم وحدتها على الإكراه.
وإذا كنا نريد لإيران مستقبلاً مستقراً وديمقراطياً وعادلاً، فإن الفيدرالية ليست مجرد خيار، بل ضرورة.