من مهاباد إلى دمشق.. كيف تحولت القضية الكوردية إلى مشروع سياسي
لندن -عارف نصر
حين أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب حل «قوات سوريا الديمقراطية» والإدارة الذاتية والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها، والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية، كان يطوي مرحلة استثنائية من تاريخ كورد سوريا امتدت لأكثر من عقد. مرحلة صنعتها الحرب السورية، وصعود تنظيم «داعش»، والدعم الأميركي، وغياب سلطة الدولة عن مساحات واسعة من شمال شرقي البلاد، ثم أنهتها تبدلات عسكرية وسياسية وإقليمية أعادت دمشق إلى مركز المعادلة.
لكن اختزال ما جرى في عبارة «حل قسد» لا يكفي لفهم دلالته.فالقضية الأهم ليست في انتهاء قوة عسكرية مستقلة بقدر ما هي في السؤال عما سيأتي بعدها: هل تستطيع المكتسبات التي أنتجتها سنوات القوة العسكرية والإدارة الذاتية أن تتحول إلى حقوق مستقرة داخل الدولة؟
هذا السؤال ليس سوريًا فقط. وهو، في الواقع، أحد الأسئلة التي رافقت الحركة السياسية الكوردية منذ منتصف القرن الماضي: كيف يمكن الانتقال من الدفاع عن القضية إلى بناء مشروع سياسي قابل للحياة، لا يتوقف على بندقية، ولا يسقط بمجرد تغير الحليف أو ميزان القوى؟ولفهم أهمية المشهد السوري، ربما ينبغي العودة إلى مهاباد.
مهاباد.. حين لم يكن ميزان القوى كافيًا
مثلت جمهورية مهاباد عام 1946 واحدة من أكثر المحطات رسوخًا في الذاكرة السياسية الكوردية. نشأت في شمال غربي إيران في ظرف استثنائي أعقب الحرب العالمية الثانية والوجود السوفياتي في شمال البلاد، وتولى قاضي محمد قيادتها.
لكن عمر هذه التجربة الاستثنائية كان قصيرًا.فمع انسحاب قوات الحلفاء التي احتلت إيران عام 1941 وتغير البيئة الدولية، انكشف ضعف ميزان القوى الذي كانت الجمهورية قد نشأت في ظله. وفي ديسمبر/كانون الأول 1946 استعادت القوات الإيرانية المنطقة، ثم أُعدم قاضي محمد في العام التالي. وكان انسحاب السوفيات و باقي دول الحلفاء العامل الخارجي الأبرز الذي كشف هشاشة قدرة الجمهورية على البقاء، إلى جانب عوامل داخلية سياسية واقتصادية وقبلية أخرى.
تركت مهاباد إرثًا وجدانيًا وسياسيًا هائلًا لدى الكورد، لكنها تركت درسًا آخر أقل حالمية وأكثر صعوبة: التحالف الخارجي قد يصنع فرصة، لكنه لا يستطيع وحده تحويل الفرصة إلى نظام سياسي مستدام.وهذا الدرس تكرر لاحقًا، بصور مختلفة، في تجارب كوردية أخرى.
فالقوة يمكن أن تحمي واقعًا سياسيًا ما دام ميزان القوى يسمح بذلك، لكن السؤال الأصعب يبدأ حين يتغير ذلك الميزان. عندها يصبح الفارق بين «القضية» و«المشروع السياسي» أكثر وضوحًا: الأولى تستطيع البقاء في الذاكرة والوجدان طويلًا، أما الثاني فيحتاج إلى مؤسسات وضمانات وتسويات تجعله قادرًا على البقاء بعد رحيل الحلفاء وتغير الظروف.
قاسملو.. السياسة قبل الاغتيال
بعد الثورة الإيرانية عام 1979، عادت المسألة الكوردية إلى الواجهة بقوة. كانت البلاد نفسها في طور إعادة تعريف نظامها السياسي، واعتقدت قوى كثيرة، بينها القوى الكوردية، أن سقوط الشاه يمكن أن يفتح الباب أمام علاقة جديدة بين المركز والشعوب غير الفارسية في إيران.لكن تلك اللحظة سرعان ما تحولت إلى مواجهة.
وفي هذا المناخ برز عبد الرحمن قاسملو، زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، باعتباره أحد السياسيين الذين حاولوا منح القضية الكوردية صيغة سياسية أكثر وضوحًا وواقعية.
لم يكن قاسملو يعتبر أن استمرار الحرب وحده يمكن أن يقدم حلًا. وتبلورت رؤيته في معادلة عُرفت بشعار «الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكوردستان». كان المعنى واضحًا: ربط الحقوق القومية للكورد بتحول ديمقراطي أوسع في الدولة الإيرانية، بدل فصل القضية الكوردية تمامًا عن مستقبل إيران السياسي.
فالقضية لم تعد، في رؤية قاسملو، تعبيرًا عن مظلومية أو احتجاج قومي فحسب، بل أصبحت برنامجًا سياسيًا مرحليًا يحاول الإجابة عن سؤالين معًا: كيف تتغير إيران، وما موقع الكورد داخل إيران المتغيرة؟
ولهذا قبل قاسملو التفاوض عندما اعتقد أن نافذة سياسية قد تكون فُتحت بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية.وجرت لقاءات فعلية مع ممثلين إيرانيين في فيينا أواخر 1988 ومطلع 1989، قبل أن يعود قاسملو إلى جولة أخرى في يوليو/تموز من العام نفسه. وفي 13 يوليو قُتل، إلى جانب عبد الله قادري آذر وفاضل رسول، أثناء تلك الاتصالات مع الممثلين الإيرانيين.
و بعد ثلاثة أعوام، اغتيل صادق شرفكندي، الذي خلف قاسملو، مع رفاق له في مطعم «ميكونوس» في برلين. وفي 1997 خلص القضاء الألماني إلى أن عملية الاغتيال ارتبطت بقرار صادر عن مستويات عليا في بنية السلطة الإيرانية، وأدت القضية إلى أزمة سياسية ودبلوماسية واسعة بين إيران وأوروبا.
لكن النتيجة التاريخية كانت أكثر دلالة من الاغتيال نفسه.اختفى قاسملو، ثم شرفكندي، ولم تختف القضية الكوردية الإيرانية.وهنا تظهر حدود المقاربة الأمنية حين تواجه مسألة سياسية. يمكن قتل قائد، أو إضعاف حزب، أو دفع حركة إلى المنفى، لكن ذلك لا يلغي العوامل التي أنتجتها في الأصل.
أوجلان.. مشروع موجود وتسوية غائبة
التجربة التركية تقدم مسارًا مختلفًا.منذ عام 1984، دخل حزب العمال الكوردستاني في صراع مسلح طويل مع الدولة التركية، تحول إلى واحد من أكثر النزاعات استنزافًا في المنطقة. وفي بداياته تبنى الحزب مشروعًا أكثر راديكالية، قبل أن تتطور أفكار عبد الله أوجلان لاحقًا باتجاه تصورات مختلفة للامركزية والمجتمع المحلي و«الكونفدرالية الديمقراطية».
اعتُقل أوجلان في كينيا عام 1999 ونقل إلى تركيا، لكنه بقي مؤثرًا في الحركة رغم سنوات سجنه الطويلة. وفي فبراير/شباط 2025 دعا حزب العمال إلى إلقاء السلاح وحل نفسه، ثم أعلن الحزب في مايو/أيار من العام نفسه إنهاء هيكله التنظيمي والصراع المسلح والسعي إلى معالجة المسألة الكوردية بالوسائل الديمقراطية.
مع ذلك لم يتحول انتهاء العمل المسلح إلى تسوية دستورية تركية مستقرة تحدد بوضوح الحقوق والضمانات وآليات الإدماج السياسي. واستمرت الخلافات في 2026 حول ترتيب نزع السلاح والإصلاحات القانونية والضمانات المطلوبة.
وبذلك تقدم التجربة التركية درسًا آخر: إنهاء السلاح لا يساوي تلقائيًا حل القضية.فالسلاح يمكن أن يتوقف، والحزب المسلح يمكن أن يحل نفسه، لكن المرحلة السياسية تحتاج إلى بنية مختلفة تمامًا: قانون ومؤسسات وتمثيل وضمانات وقبول متبادل.
العراق.. من الحكم الذاتي إلى الشراكة الدستورية
التجربة العراقية مختلفة بالنسبة للشعب الكوردي، ليس لأنها كانت أقل دموية أو أقل تعقيدًا؛ بل ربما كانت من أقسى التجارب الكوردية في القرن العشرين. وإنما لأنها انتهت، بعد عقود طويلة، إلى إنتاج الصيغة الأكثر رسوخًا حتى الآن لتحويل مشروع سياسي كوردي واسع إلى وضع دستوري داخل دولة قائمة.
كانت اتفاقية 11 مارس/آذار 1970 محطة مفصلية. فقد توصلت القيادة الكوردية بقيادة مصطفى بارزاني والحكومة العراقية إلى اتفاق للحكم الذاتي اعترف رسميًا بجزء مهم من الحقوق الكوردية، قبل أن يتعثر تطبيقه وينهار ويعود الطرفان إلى الحرب في 1974.
ولم تكن السنوات التالية أقل مأساوية. جاءت الأنفال وحلبجة والحروب والتشريد على خلاف الجهة الحقيقية المسؤولة عنها، ثم أنتجت تحولات 1991 واقعًا جديدًا في كوردستان العراق سمح ببناء مؤسسات سياسية وإدارية أكثر استقلالًا.
إلا أن المنعطف الأهم جاء بعد 2003.دخلت القوى الكوردية إلى العراق الجديد وهي لا تحمل فقط إرث الصراع مع بغداد، وإنما أيضًا خبرة سياسية وإدارية طويلة. وأصبح جلال طالباني ومسعود بارزاني والقوى التي يمثلانها جزءًا محوريًا من إعادة بناء المعادلة العراقية الجديدة.لم يعد الكورد يتفاوضون مع الدولة من خارجها فقط، بل أصبحوا جزءًا من صياغتها.
وجاء دستور 2005 ليكرس هذا التحول قانونيًا. فبعد أن كان النزاع يدور طويلًا حول اعتراف الدولة أصلًا بالوجود السياسي الكوردي وحقوقه، أصبح في معظمه نزاعًا حول توزيع السلطات والثروة وحدود الصلاحيات داخل دولة يعترف دستورها بالإقليم.
سوريا.. هل تكون المحاولة الثانية؟
من هذه الزاوية يمكن قراءة ما يحدث اليوم في سوريا.نشأت تجربة كورد سوريا في ظروف تختلف جذريًا عن العراق. لم تأت نتيجة اتفاق دستوري مع دمشق، بل ولدت من تفكك سلطة الدولة خلال الحرب ومن الصراع مع «داعش»، ثم تطورت بدعم غربي إلى إدارة أمر واقع امتلكت قوة عسكرية ومؤسسات مدنية وأمنية وتعليمية واقتصادية.
وبقيت هذه التجربة، رغم قوتها، بلا اعتراف دستوري نهائي.وعندما تغيرت الظروف بعد سقوط النظام السابق وتبدل الموقفين الإقليمي والدولي، عاد السؤال الذي عرفته تجارب كوردية أخرى: ما قيمة القوة إذا لم يكن ممكناً تحويلها في النهاية إلى تسوية سياسية؟
جاء الجواب السوري تدريجيًا.ففي يناير/كانون الثاني 2026 أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 13 الذي اعتبر المواطنين السوريين الكورد جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري، واعترف بهويتهم الثقافية واللغوية، واعتبر اللغة الكوردية لغة وطنية، وأجاز تدريسها في المدارس في المناطق ذات الحضور الكوردي، كما ألغى الإجراءات الاستثنائية المترتبة على إحصاء الحسكة لعام 1962 ومنح الجنسية للمشمولين بها، بمن فيهم مكتومو القيد.
ثم جاءت عملية الدمج، وصولًا إلى إعلان مظلوم عبدي في 25 أغسطس حل «قسد» والإدارة الذاتية والهياكل التابعة لها والاندماج في مؤسسات الدولة.ولا ينبغي هنا استعجال إعلان النجاح.ما يحدث في سوريا يمكن أن يمثل المحاولة الثانية، بعد العراق، لتحويل ثقل سياسي وعسكري كوردي واسع إلى شراكة داخل الدولة. لكنه لن يصبح تجربة ناجحة لمجرد توقيع الاتفاق أو حل القوة العسكرية.المعيار سيكون في التنفيذ.
لكن الرسالة التي تجمع التجارب تبدو أكثر بساطة:لا تستطيع الدولة أن تنهي قضايا الشعوب بتجاهلها، كما لا يستطيع السلاح وحده أن يحول تلك القضايا إلى مستقبل دائم.بين الاثنين تبدأ السياسة.وهناك فقط تتحول القضية من حق يطالب به أصحابه إلى مشروع يجد مكانه في الدولة.