طهران بين ضغط ترامب.. ورهان بكين

طهران بين ضغط ترامب.. ورهان بكين

لندن – عارف نصر

بعد مماطلة دامت لعدة أيام، ردّت إيران أخيراً على المقترح الأميركي. غير أن الرد الإيراني لم يكن قبولاً واضحاً، ولم يكن رفضاً نهائياً أيضاً. وهذه، في تقدير الكثير من المراقبين، هي النقطة الأساسية لفهم سلوك طهران في هذه المرحلة. فهي عملياً قبلت مبدأ الرد، وأبقت باب التفاوض موارباً، لكنها لم تقبل شروط الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما طُرحت عليها.

رفضت طهران إخراج اليورانيوم المخصب من أراضيها، ورفضت وقف التخصيب لمدة طويلة، كما رفضت التعامل مع برنامجها النووي كملف يمكن تفكيكه تحت ضغط الحرب. في المقابل، أرادت أن يبدأ أي مسار تفاوضي من وقف الحرب، ورفع الحصار، والإفراج عن الأموال المجمّدة ضمن جدول زمني واضح.

ردّ ترمب كان سريعاً وحاداً، إذ وصف الموقف الإيراني بأنه “غير مقبول تماماً”. وهذا يعكس جوهر الخلاف بين الطرفين. فالرئيس الأميركي يريد اتفاقاً يبدأ من الملف النووي: اليورانيوم، والتخصيب، والتفتيش، والمنشآت. أما إيران فتريد أن يبدأ الاتفاق من الأمن والاقتصاد: وقف الحرب، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار، وتحرير الأموال.

من يقدم التنازل أولاً؟

لذلك، لا يدور الخلاف فقط حول مضمون الاتفاق، بل حول ترتيبه. من يقدّم التنازل أولاً؟ ومن يحصل على الضمانات أولاً؟ ومن يخرج من هذه المواجهة قادراً على القول إنه لم يُهزم؟

في هذا السياق جاءت التصريحات الإيرانية الأخيرة. محمد باقر قاليباف قال إن إيران “مستعدة لكل الخيارات”، وإن خصومها “سيفاجَؤون”. علي أكبر ولايتي خاطب ترامب بالقول إن إيران هزمته في “الميدان”، وإنه لا ينبغي أن يظن أنه سينتصر في الدبلوماسية. ثم جاء محمود نبويان، من داخل التيار المحافظ، ليطالب باستبعاد من سماهم أصحاب الاتفاق النووي السابق من الفريق التفاوضي، في إشارة فُهمت على أنها موجهة إلى عباس عراقجي ومن يمثّل خط التفاوض التقليدي مع الغرب.

هذه التصريحات ليست مجرد تصعيد لفظي. هي جزء من إدارة الموقف التفاوضي. إيران تريد أن تقول لواشنطن إن النظام لم ينكسر، وإن أي مفاوضات لن تتم من موقع الهزيمة. وفي الوقت نفسه، تريد أن تقول لجمهورها الداخلي إن الذهاب إلى التفاوض لا يعني الاستسلام، بل استمرار الصمود بوسائل أخرى.

“الدبلوماسية والميدان”

هنا تعود إلى الواجهة مقولة محمد جواد ظريف عن ثنائية “الدبلوماسية والميدان”. فحين تضيق مساحة الدبلوماسية، أو تبدو غير قادرة وحدها على إنتاج تسوية، يعود “الميدان” ليؤثر في شروط الطاولة. وفي الحالة الإيرانية الراهنة، يبدو أن طهران تريد أن تجعل الميدان حاضراً في التفاوض، لا بديلاً عنه بالضرورة، بل وسيلة لتحسين شروطه.

تراهن إيران اليوم على أنها ما زالت تملك أوراقاً كافية للمناورة. فهناك الملف النووي، بما يحمله من غموض وحساسية دولية. وهناك مضيق هرمز، لا بوصفه ممراً مائياً فقط، بل بوصفه جغرافيا قادرة على رفع كلفة الأزمة على العالم كله. وهناك أيضاً القدرات الصاروخية والدفاعية التي تحاول طهران الإيحاء بأنها لم تُستنزف بالكامل، حتى وإن كان تقدير حجم هذه القدرات يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.

الأهم أن إيران تحاول تدويل كلفة الأزمة من دون تدويل الحرب. فهي لا تريد حرباً إقليمية شاملة، لكنها تريد أن يشعر العالم بثمن استمرار الضغط عليها: اضطراب الملاحة، ارتفاع كلفة الطاقة، قلق الأسواق، وتوتر علاقات واشنطن مع حلفائها. وفي المقابل، لا يبدو أن ترمب نجح حتى الآن في تحويل الحرب إلى جبهة دولية واسعة خلفه. لذلك يبقي باب الدبلوماسية مفتوحاً، ولو مؤقتاً، خصوصاً مع اقتراب زيارته إلى الصين.

حساب تفاوضي يقوم على ثلاثة عناصر

من هنا يمكن فهم التعنت الإيراني الظاهر. فهو ليس مجرد تصلب عقائدي، بل حساب تفاوضي يقوم على ثلاثة عناصر: أولاً، رفعت إيران سقف مطالبها لتحسين موقعها التفاوضي. فهي تعمل بمنطق معروف: ابدأ من السقف الأعلى لتحصل في النهاية على الحد المقبول. لكنها لا تريد أن تحصل على هذا “الحد المقبول” في إسلام آباد. تريد أن ينتقل التفاوض إلى بكين، حيث الوسيط الصيني أثقل، والضمانات أوسع، والكلفة السياسية أقل داخلياً.

ثانياً، ترى طهران أن زيارة ترمب المرتقبة إلى الصين تمنحها هامش مناورة. فهي تعتقد أن واشنطن قد تتردد في الذهاب إلى تصعيد كبير قبل قمة مهمة مع بكين. لذلك تحاول شراء الوقت، وترك الرد مفتوحاً، ودفع الملف من قناة باكستانية تنقل الرسائل إلى طاولة صينية قادرة على إنتاج ضمانات.

ثالثاً، تريد إيران تغيير مكان ولادة الصفقة. فإسلام آباد تصلح، من وجهة نظرها، للوساطة الإجرائية، لكنها لا تكفي لصناعة اتفاق يحفظ ماء الوجه. أما بكين فتمنح إيران رواية مختلفة: لم نتنازل تحت ضغط أميركي، بل دخلنا تسوية دولية برعاية قوة كبرى.

وهذا فارق جوهري في نظام يحسب للرواية الداخلية قدر ما يحسب للنتيجة الخارجية.

معركة سرديات

الخلاصة أننا بتنا اليوم أمام معركة سرديات بقدر ما نحن أمام مفاوضات على بنود تقنية. فواشنطن وتل أبيب تتحدثان عن “اتفاق جيد”، أي اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني، ويحيّد مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، ويمنع إيران من إعادة بناء قدرتها الردعية تحت غطاء التفاوض. أما طهران فتتحدث، ضمناً أو صراحة، عن “اتفاق عادل”، أي اتفاق يبدأ بوقف الحرب، ورفع الحصار، وتحرير الأموال، ويحفظ لها ما تعتبره حقاً سيادياً في التخصيب.

بين هاتين المنظومتين التفاوضيتين تقف الصين، إن دخلت على خط الوساطة، أمام اختبار بالغ الصعوبة: هل تستطيع أن توازن بين منطق “الاتفاق الجيد” الذي تطلبه واشنطن وإسرائيل، ومنطق “الاتفاق العادل” الذي تطالب به إيران؟ وهل يمكن تصور اتفاق يطمئن إسرائيل ودول المنطقة إذا بقي ملف الصواريخ الباليستية والتمدد الإقليمي خارج المعادلة؟ أم أن أي تسوية لا تمس هذه الملفات ستبقى هدنة مؤجلة، تمهّد لجولة جديدة من الصراع أكثر مما تنهيه؟

لهذا، فإن المسألة لم تعد فقط أين تولد الصفقة: في إسلام آباد أم في بكين. السؤال الأعمق هو: هل يمكن إنتاج اتفاق يوقف الحرب ولا يترك أسبابها قائمة؟ فإذا عجزت الوساطة عن الجمع بين القيود النووية، وضبط الصواريخ، وكبح التمدد الإقليمي، ورفع الضغط الاقتصادي عن إيران، فقد نكون أمام اتفاق هشّ يشتري الوقت، لا أمام تسوية تصنع الاستقرار. وفي هذه الحالة، قد لا يكون تجدد المعارك احتمالاً طارئاً، بل النتيجة الطبيعية لفشل السياسة في معالجة أصل الصراع.

https://www.alarabiya.net/iran/2026/05/12/%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%B6%D8%BA%D8%B7-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D9%88%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%83%D9%8A%D9%86-

شاهد أيضاً

مؤسسة حقوق الإنسان الأهوازية (أهرو) بيان حقوقي بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية

مؤسسة حقوق الإنسان الأهوازية (أهرو) بيان حقوقي بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية 18 كانون الأول …