حين يصبح الجسد ساحة للإحتجاج وصرخة بين ألسنة النار
في الأهواز، المحافظة التي أنهكها التهميش وصودرت فيها أبسط معاني الحياة بسبب القهر والتمييز، إختار شاب عربي أهوازي، إسمه أحمد بالدي أن يجعل من جسده ناراً تفضح ما خنقته السلطات من أنينٍ وكرامة.
أحمد لم يكن يطلب المستحيل ولم يكن سياسياً ولا متمرّداً يحمل سلاحاً، كان يحمل فقط عربة صغيرة يبيع عليها رزقه ويوفر قوت أسرته الفقيرة. لكن يد الغدر التي إمتدت عليه هذه المرة من البلدية وقوات الإنتظامية التي لا تعرف الرحمة، جاءت لتسلبه حتى تلك الوسيلة البسيطة التي كانت تُبقيه واقفاً في وجه الجوع، وعندما يُسلب الإنسان لقمة عيشه وكرامته معاً، لا يبقى أمامه إلا النار ليتكلم.
أحمد ابن الأهواز العربية، لم يحرق نفسه فقط وإنما أحرق الصمت وأشعل فينا جميعاً سؤالاً موجعاً: كيف يصل الإنسان إلى لحظة يرى فيها الموت خلاصاً من الحياة؟
إنّ المأساة التي دفعت أحمد بالدي إلى إحراق نفسيه ليست حدثاً فردياً، بل نتيجة سياسة منظمة تستهدف هوية شعبٍ عربيٍّ كامل يعيش تحت القهر في وطنٍ تُنهب خيراته، وتُصادر لغته، وتُطمس ذاكرته، لم يبقَ للعربي سوى جسده ليصرخ به في لحظة الاحتراق، لم يكن يطلب شيئاً سوى أن يُسمع صوته في وطنٍ كمم الأفواه وأغلق الأبواب.هو لم يبحث عن موتٍ عبثي، بل عن كرامةٍ مفقودة حيث اختار النار لا حبّاً في الفناء، بل لأنّ الحياة تحت الظلم لم تعد تُطاق.
في جسد أحمد ألمحترق تختصر الأهواز بكل مأساتها، فأرضٌ تُنهب، وبيئة تُدمّر، وناسٌ يُقصون من خيرات وطنهم، حتى صار الاحتراق بالنار أهون من الاحتراق بالقهر، إنها صرخة من عمق الجرح الأهوازي، تقول للنظام الإيراني ولكل من يبرّر له: “لقد أخذتم الأرض والثروة والهواء والماء، لكنكم لن تأخذوا الكرامة، حتى لو احترقت.”
حين يصبح الموت شفاءً، فذلك لأن الحياة تحوّلت إلى جرحٍ دائمٍ من الظلم واقدام أحمد عندما فضل الموت على القهر يذكرنا ببيت المتنبي كما لو كُتب من أجل أحمد بالدي عندما قال:
كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا
وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا
أحمد لم يمت هروباً من الحياة، بل اختار النار ليحيا كرامته ولو في لحظة الاحتراق. كان يعلم أن صوته سيُخنق إن صرخ، فاختار أن تصرخ النار باسمه.
لقد سبقه محمد بوعزيزي في تونس حين جعل من جسده شعلة أحرقت جدران الصمت في وطنٍ ظالم، واليوم، أحمد بالدي يعيد الصرخة نفسها من قلب الأهواز وقالها بنار تحرق جسده : كفى ظلماً، كفى تهميشاً، كفى إذلالاً وكفى عنصرية…..
إن ما جرى ليس حادثة فردية، بل هو مرآة لجحيمٍ أكبر يعيش فيه العرب في الأهواز حيث البطالة والإقصاء ومصادرة الأراضي وتحطيم الأحلام، وسياسات التمييز التي تتخفى خلف شعارات “الدين والمذهب والوحدة الوطنية” بينما تزرع الفقر في الأهواز وتبني القصور في المركز وحاشيته.
أحمد بالدي لم يُطفئه الموت، بل زاده اشتعالاً وصار صوتاً ورمزا لكل من يرفض الذل، وصدىً لكل صوتٍ يريد أن يعيش بكرامة في وطنٍ يساوي بين مواطنيه في الإنسانية قبل أي شيء آخر.
إن إحراق الجسد هو أقصى درجات الاحتجاج، لأنه احتجاج لا يُكتب على الورق، بل على اللحم والعظم، هو لغة من لم يُسمع صوته، وبيان من لم يجد منبراًأحمد بالدي لم يترك وصية، لكن نار جسده كتبت لنا وصيته جميعاً مضمونها : “إذا صارت الحياة في وطني سجناً، فليكن الموت باب الحرية”.
نعم هذا الحدث المؤلم في الأهواز، الأرض الغنية بالنفط والغاز، الأرض التي كان يفترض أن تكون رمزاً للرخاء، تُحرق اليوم أجساد أبنائها لأنهم حُرموا حتى من حقّ البقاء بكرامة ولم يترك لهم سوى خيارين: القهر أو النار.
احمد بالدي لم يحتمل ما وصل إليه حال مدينته وأهله، فاختار النار أيضاً ليعبّر عن مأساة شعبٍ يُنهب في وضح النهار. أرضه، الأهواز، التي تفيض بالنفط والغاز، تُستغل مواردها لتغذية مشاريع النظام الإيراني في الخارج، وتمويل الميليشيات والحروب في المنطقة، بينما أبناء هذه الأرض يعيشون في الفقر والبطالة. في الوقت الذي تتدفق فيه الثروات من باطن الأرض، يُحرم العرب من العمل في صناعات النفط والبتروكيماويات، ويُستبدل بهم وافدون من مناطق أخرى ضمن سياسة متعمّدة لتغيير الواقع السكاني وجعل العرب أقلية في وطنهم.
وفي حين تُصدّر إيران النفط إلى الخارج، يعيش الأهوازيون بلا مياه صالحة للشرب بعد أن دمّر النظام بيئتهم وأهوارهم، وحوّل روافدهم، من كارون إلى الكرخة إلى مجارٍ جافة كما حوّل النظام الأرض الخصبة إلى أرضٍ يابسة، وحوّل العيش الكريم إلى حلمٍ ممنوع، بينما الأهواز واحدة من أغنى مناطق الشرق الأوسط بالنفط والغاز والمياه لكن هذه الثروات لا تُنفق على أبنائها، بل تُستخدم في تمويل مشاريع النظام الإيراني الخارجية ودعم الميليشيات والحروب بالمنطقة، بينما يعيش سكان الأهواز في فقرٍ مدقع وبطالةٍ خانقة ويُحرم العرب الأهوازيون من التوظيف في الصناعات النفطية والبتروكيماوية، وتُجلب بدلاً منهم مجموعات من خارج المحافظة في سياسة مدروسة لتغيير البنية السكانية وجعل العرب أقلية في وطنهم.
لم يبقَ لأبناء الأهواز سوى الغبار، والفقر، والتمييز حتى الطبيعة نفسها تبدو وكأنها تعاقَب لأنها نطقت بالعربية.
ما فعله أحمد لم يكن انتحاراً من يأسٍ شخصي، بل صرخة سياسية ضد نظامٍ يسحق الإنسان باسم الأيديولوجيا الدينية.
لقد تحوّل الجسد إلى وسيلة احتجاجٍ حين صودرت كل الوسائل الأخرى، وتحولت النار إلى لغةٍ يفهمها العالم حين سُدّت منافذ الكلام. نعم أحمد لم يكتب بياناً سياسياً، لكن النار كتبت عنه بياناً أشد بلاغةً من كل الكلمات. وقالت بوضوح: “إنّ في الأهواز شعباً يُعاقَب على عروبته، ويُقصى من ثروته، ويُحرم من حقّه في أن يعيش بكرامة على أرضه.
أن هذه الحوادث ليست استثناءً، بل نتيجة سياسات ممنهجة تمارسها السلطات الإيرانية منذ عقود ضد العرب الأهوازيين حيث إحرموا من العمل، تهمشوا ثقافياً، وذلك عبر سياسة تغييرات سكانية مقصودة، ونهب للموارد باسم “الدين والمذهب والمصلحة الوطنية” التي لم نرى فيها مصلحة منذ عام 1925 حتى يومنا هذا..
لكن على النظام أن يدرك أن النار لا تُطفئ الكرامة بل على العكس، تُشعلها حيث صارت نيران أحمد بالدي رمزاً لمقاومة القهر، وصوتاً للذين أُجبروا على الصمت.
قالها أحمد: “أخذتم الأرض والثروة والماء، لكنكم لن تأخذوا الكرامة… حتى لو احترقت”. هذه هي الرسالة التي حملها الجسد المحترق، وهذه هي الحقيقة التي لا يمكن دفنها ولن تكون نهاية أحمد بالدي نهاية القصة، بل بدايتها، فكل جسدٍ احترق ظلماً يوقظ ضميراً نائماً، وكل شعلة نارٍ في الأهواز تذكّرنا أن هناك شعباً يطالب فقط بحقّه في الحياة.
وحين تعود العدالة يوماً، سيُكتب أن في الأهواز من إختار الّنار ليوقظ الضمير الإنساني وأنّ في الأهواز رجالاً لم يحترقوا هرباً من الحياة، بل طلباً للكرامة.