مقتل الناشط حسن الساعدي… جرح الأهواز المفتوح وشهادة جديدة على عنصرية النظام الإيراني

مقتل الناشط حسن الساعدي… جرح الأهواز المفتوح وشهادة جديدة على عنصرية النظام الإيراني

في صباحٍ آخر من صباحات القهر في إيران، لفظ الناشط العربي الأهوازي حسن الساعدي أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب في معتقلات المخابرات الإيرانية بمدينة الأهواز.

حسن الساعدي الذي اُعتقل من منزله سالماً غانماً قادته أيادي القمع مكبولا لاذنب له سوى إنه حاملاً هموم شعبه ورافعاً صوته للدفاع عن مظلومية شعب يعاني من العنصرية والاضطهاد القومي لأكثر من مئة سنة..نعم اُعتقل وهو سالماً صحياً، فعاد إلى عائلته جثماناً هامداً يحمل آثار العنف والتعذيب الوحشي، شاهداً على نظامٍ مجرم، متخلف لايؤمن بأية قيم للانسانية.

لم يكن حسن أول الشهداء في الأهواز ولم يكن الآخر، فقد سبقته قوافل من الشهداء كان آخر الإعدامات في السبوع الماضي حيث تمّ اعدام ستة من خيرة شباب الاهوازيين العرب كما سبقه بسنوات قليلة مقتل الشهيد آلبوشوكة ومغامس كعبي وآخرون تحت التعذيب، لكنّ مقتل حسن الساعدي بهذه الطريقة البشعة ألقى الضوء مجدداً على الجرح الأهوازي المفتوح، وعلى واقعٍ مريرٍ من العنصرية المنهجية التي تحولت إلى ركنٍ اساسي في سياسة نظام طهران ضد ابناء العرب والقوميات الاخرى في الداخل.

بدءت الممارسات العنصرية والقمع ضد ابناء الأهواز منذ عام 1925، حين سقط حكم الشيخ خزعل الكعبي ودخلت القوات الإيرانية إلى اقليم عربستان وإحتلته بالقوة دون إرادة شعبه العربي، بدأ مشروع تفريس الهوية العربية في الإقليم فتغيّرت الأسماء قبل أن تتغيّر السياسات. فصار عربستان اي الاهواز او الاحواز خوزستان ومحمّرة مرداو الكعبي تحوّلت إلى خرمشهر والخفاجية غدت سوسنكرد وحتى النهر العربي كارون سُرق مائه وأُفرغ من رمزيته العربية.

فكانت تلك بداية محاولةٍ لطمس ذاكرة جماعية، لتذويب شعبٍ في هويةٍ لم يخترها طوعاً لنفسه ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف الانظمة المتتالية في طهران عن معاملة العرب في الإقليم كغرباء في وطنهم، غرباء في لغتهم، غرباء في وظائفهم، وغرباء حتى في حقهم بالحياة وصارت عنصرية الدولة سلوكاً طبيعياً وأصبحت الهوية العربية تهمة وجريمة للعربي الاهوازي وسبباً لإضطهاده وحرمانه من خيرات بلده.

في إيران الحديثة، لا يحتاج العربي إلى سلاحٍ ليصبح متهماً؛ يكفي أن يتحدث يتباها بعروبته ويتكلم بلغته أو يرفع صوته دفاعاً عن تاريخه وماضي اجداده في بلده.

في المدارس تُمنع لغة الام العربية من التدريس، وفي الإعلام الرسمي يُختزل الأهوازيون العرب في صورٍ نمطية أمّا في المؤسسات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها قطاع النفط والغاز، فإن أبناء الأهواز محرومون من أبسط حقوقهم في التوظيف رغم أن النفط ينبع من أرضهم وتحت جدران بيوتهم.

تُدار الشركات الكبرى في عبادان ومعشور والعميدية وغيرها بأيدٍ فارسية تأتي من اقصي الشرق والشمال والوسط في بلاد فارس من اصفهان ويزد وكرمان وشيراز، فيما يُقصى العرب السكان الاصليين إلى الهامش كعمالٍ او ُحراس أو عاطلين عن العمل.

وهكذا تتحول الثروة التي كان يفترض أن تكون ركيزة الازدهار المحلي إلى رمزٍ للفقر والإقصاء، ويصبح النفط لعنةً تحرق أبناء الأرض بدل أن تنير مستقبلهم.

ومقتل حسن الساعدي لا يمكن فصله عن سلوك قمعي لنظامٍ أمنيٍّ متكاملٍ يقوم على التخويف والإذلال حيث الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والمحاكمات الصورية، والإعدامات الجماعية كلّها أدوات لإسكات الصوت العربي والكردي والبلوشي وكل الشعوب غير الفارسية وحتي الأحرار من أبناء القومية الفارسية ايضاً.

في زنازين نظام ولاية الفقيه القمعي في الأقاليم غير الفارسية، لا يُسأل المعتقل عن فكره بل عن أصله؛ عن لغته، وعن انتمائه. كما تطبق هذه العنصرية في دوائر التوظيف وهكذا يتحول الانتماء العربي نفسه إلى تهمةٍ أمنيةٍ لا يُنجّي منها سوى الصمت أو الموت.

تسليم جثمان حسن الساعدي لعائلته وعليه آثار التعذيب لم يكن سوى توقيع جديد على وثيقة الإدانة الأخلاقية للنظام الإيراني المتخلف، نظامٍ منافق يفاخر بشعارات المقاومة للفلسطينين ومايسميها الشيعة فيما يمارس أبشع أشكال الاحتلال الداخلي ضد العرب الأهوازيين والبلوش وكلهم مسلمون ولكنه يقتلهم فقط لإنتمائهم لقوميتهم.

إعدام الاهوازيين وقتلهم تحت التعذيب لم ولن يقتل نضالهم ولاهويتهم وبين القهر النظام المتخلف والصمود شعبنا الباسل هناك حقيقة أثبتها ابناء هذا الشعب بأن الهوية لا تموت بل المفارقة الكبرى التي لايريد فهمها نظام طهران الحالي أن هذا القمع الدموي لم ينجح يوماً في كسر الروح العربية الأهوازية بل على العكس، كل شهيد يسقط، مثل حسن الساعدي، يُولد في الوعي الجمعي رمزاً ومعنىً جديداً للكرامة والإبى والصمود.

لقد أدرك الأهوازيون أن نضالهم لم يعد من أجل تحسين ظروف العيش أو فتح أبواب العمل، بل من أجل استعادة حقهم في الوجود ذاته في اللغة، في التاريخ، وفي تقرير المصير.ومع تراكم المآسي، تترسخ القناعة بأن النظام الذي قتل أبناءهم لا يمكن إصلاحه، وأن طريق الحرية لا يمر عبر استجداء الحقوق بل عبر انتزاعها.

وهكذا سيتحوّل القمع إلى وقودٍ وطني، والتعذيب إلى نارٍ تُصهر إرادة المقاومة للشعب العربي الاهوازي الأبي.

وبين الإنكار والانكشاف تحاول طهران، كما في كل مرة، أن تُنكر الجريمة وتخفي آثارها خلف عباراتٍ مكررة عن “أزمة صحية” أو “انتحار المعتقل” ولكن الأكاذيب لم تعد تنطلي على أحد. ففي زمن الإعلام الرقمي، تخرج الصور والشهادات من الزنازين رغم كل الجدران، ويصل صوت المناضلين الأهوازيين إلى العالم بأسره، شاهداً على الوجه الحقيقي لدولةٍ تحاول التجمّل بعبارات العدالة الثورية فيما تمارس أبشع أشكال التمييز العرقي والطائفي ضد ابناء الشعوب داخل مايسمى زوراً وبهتاً جغرافيا ايران

هذا التناقض بين الخطاب والممارسة هو ما جعل النظام الإيراني مكشوفاً أمام الداخل وفي المنطقة والخارج معاً:

في الداخل، لأنه فقد شرعيته الأخلاقية أمام مواطنيه؛

وفي الخارج، لأنه فقد احترامه حتى لدى من كان يرى فيه “نموذجاً للممانعة واليوم بعد كل هزائمه في المنطقة وكسر هيبنه هو اذرعه وذيوله في المنطقة يحاول من خلال الاعدامات في الداخل وقتل النشطاء تحت التعذيب، يصنع هيبة مزيفة ليرعب بها كل الإصوات المنادية في التغيير في الداخل خاصة من ابناء القوميات غير الفارسية التي كان ومازال ينظر لها بنظرة امنية بحتة.

واما في الأهواز المثقلة بالقهر والظلم وهناك بوصلة الهوية العربية القوية الشامخة التي لايمكن لنظام طهران يزعزعها فالأهواز ليست مجرد إقليم غني بالنفط، بل رمزٌ لهويةٍ تُقاوم النسيان منذ مئة سنة ومقتل حسن الساعدي سيزيدها صموداً وتحدياً والأهواز ستلعب الدور الرئيسي في تغيير الواقع المأساوي وإنها الجبهة التي تُعرّي النظام من شعاراته الاسلامية الكاذبة، وتعيد طرح سؤال الانتماء في دولةٍ متعددة القوميات لكنها محكومة بعقلٍ أحاديٍّ فارسيّ النزعة وعنصري السلوك.

فحين يُقتل العربي في السجن لأنه عربي، يصبح الصراع في جوهره صراعاً بين هويةٍ مهيمنة وأخرى مقموعة، بين مشروع تفريسٍ متواصلٍ منذ قرنٍ ومشروع تحرّرٍ لم يُطفأ رغم كل محاولات الإبادة الرمزية والجسدية.

فإعدام الاهوازيين في الاسبوع الماضي ومقتل حسن الساعدي تحت التعذيب الوحشي ستكون لها إنعكاسات سياسية وإستراتيجية وإن مقتل الناشط الأهوازي حسن الساعدي ليس جريمة عابرة، بل حدث سياسي فاصل يكشف عمق الأزمة البنيوية في إيران ونظامه السياسي القمعي. فالنظام الذي أنفق موارده في حروبٍ خارجية لتوسيع نفوذه، يجد نفسه الآن عاجزاً عن السيطرة على الداخل الذي يغلي تحت ركام التمييز والاحتقان القومي.

تنامي الوعي العربي في الأهواز، وتزايد النقمة في المناطق الكردية والبلوشية والتركمانية، والأذرية يضع النظام أمام تحدٍّ وجودي لم يعد ممكناً تجاهله.

هذا الاضطهاد المتواصل، بدل أن يُخمد الأصوات، يعيد إنتاجها في صورةٍ أكثر تنظيماً ونضجاً، خصوصاً مع الجيل الأهوازي الجديد في المهجر الذي بدأ يتحرك في الساحات الحقوقية والإعلامية والدبلوماسية، ناقلاً معاناة شعبه إلى المنابر الدولية.

ومع تزايد عزلة طهران الدولية، ستتحول القضية الأهوازية إلى محور اساسي للضغطٍ علي النظام الايراني المجرم الذي بات في صراع مكشوف مع الارادة الدولية بأسرها، خصوصاً أن القوى الكبرى بدأت تدرك أن الداخل الإيراني بات هشّاً وأن الأقليات القومية تمثل نقطة ضعفٍ استراتيجية لهذا النظام الرجعي المتخلف.

واما على المستوى الإقليمي، يُفقد استمرار هذه الجرائم النظام الإيراني ما تبقّى له من مصداقية في العالم العربيوالاسلامي، فكيف يمكن لمن يرفع شعار “نصرة المستضعفين” أن يمارس هذا القدر من العنصرية ضد عربٍ يعيشون في أرضهم؟ هذا السؤال الأخلاقي والسياسي معاً، هو ما يجعل من مقتل حسن الساعدي أكثر من مأساة إنسانية؛ إنه تحدٍّ لهوية نظام يدعي الاسلام كذباَ في إيران ويسعي لمشروع تدميري ومخرب في المنطقة.

إن استمرار هذا النهج القمعي سيفتح الباب أمام تطورات داخلية لا يمكن للنظام السيطرة عليها، من اتساع الاحتجاجات إلى تشكل مطالب سياسية صريحة بالاستقلال والانفصال، فكل ضعفٍ في المركز، وكل انهيارٍ في الشرعية، يُقابله صعود في مطالب الشعوب المظلومة في ايران.ومن رحم جريمة الاعدامات والقتل تحت التعذيب قد يولد مسارٌ سياسي جديد يعيد رسم العلاقة بين الأهواز العربية والدولة المركزية على أسس المساواة أو الانفصال.

فمن هنا نقول قُتل حسن الساعدي تحت التعذيب، لكن موته لم يُنهِ القصة، فكل جرحٍ في جسده هو وثيقة إدانةٍ أخلاقية لنظامٍ متخلف بنى سلطته على الكراهية والتمييز العرقي والطائفي، ودم حسن الساعدي وغيره من شهداء الاهواز لن يذهب سُدى بل يصبح رمزاً لجيلٍ جديدٍ من الأهوازيين الذين يؤمنون بأنّ الحرية لا تُستجدى بل تُنتزع، وإنّ القهر الذي يمارسه النظام الإيراني في الأهواز لن يحفظ له الاستقرار، بل سيُسرّع من تآكله الداخلي وفي النهاية، ستنتصر الحقيقة التي حاولوا دفنها مع جثمان حسن الساعدي. وأنّ العرب في الأهواز باقون على أرضهم، وأنّ هويةً وُلدت من النهر والنفط والنخلة لا يمكن أن تموت تحت سوط الجلاد.

اللجنة الاعلامية لحزب التضامن الديمقراطي الاهوازي

 

شاهد أيضاً

منظمة حقوق الإنسان الأهوازيةتدين اعتقال المواطن العربي الأهوازي حسن البتراني

منظمة حقوق الإنسان الأهوازيةتدين اعتقال المواطن العربي الأهوازي حسن البتراني تدينوزمنظمة حقوق الانسان الاهوازية اعتقال …