إيران والتحالف البحري الأميركي: بين محاولة كسر الطوق الدولي وضغط المونديال على إدارة ترامب
في خضمّ التصعيد البحري المتواصل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برز تصريح لافت لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أعلن فيه السماح بمرور سفن الدول غير المنخرطة في الحرب ضد طهران عبر مضيق هرمز. قد يبدو التصريح في ظاهره خطوة “تهدئة”، لكنه في الواقع يمثل محاولة سياسية محسوبة لكسر التحالف البحري الذي تعمل إدارة ترامب على حشده في الخليج.
إيران ومحاولة تفكيك التحالف الدولي قبل اكتماله
يأتي هذا التصريح في لحظة حساسة، بعد أن أعلنت دول غير منخرطة مباشرة في النزاع ـ مثل كوريا الجنوبية واليابان وهولندا ـ مشاركتها في التحالف البحري الذي تقوده واشنطن لتأمين الملاحة. إدراك إيران لخطر توسع هذا التحالف دفعها إلى إطلاق رسالة مفادها:
“سفنكم آمنة طالما بقيتم خارج الحرب… وانضمامكم للتحالف سيحوّل سفنكم إلى أهداف.”
هذا المنطق الإيراني يهدف إلى رفع كلفة الانضمام للتحالف الدولي، وزرع تردد لدى الدول التي ما زالت تقف على الحياد، إضافة إلى محاولة دفع بعض الدول المشاركة سياسيًا إلى إعادة النظر قبل الانتقال إلى المشاركة العسكرية.
لكن الهواجس الإيرانية لا تقف عند حدود اليابان أو كوريا الجنوبية؛ فهناك لاعب آخر يشكل “الجائزة الكبرى” لإدارة ترامب: الصين. ففي حال انضمام بكين، سيتحول التحالف البحري من مبادرة غربية إلى تحالف دولي كامل العزل لإيران، وهو ما تخشاه طهران أكثر من أي خيار عسكري مباشر.
الخليج بين الحرص والحذر: لماذا لا تتدخل دوله مباشرة؟
في الوقت الذي تتعرض فيه منشآت قطر النفطية والسعودية للطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية أو التابعة لفصائلها، يتساءل كثيرون عن سبب امتناع دول الخليج عن الانخراط المباشر في هذه الحرب. إلا أن القراءة الواقعية تشير إلى أن دول الخليج تعتمد استراتيجية “الحذر المحسوب” بناءً على ثلاثة اعتبارات أساسية:
1. تجنب التحول إلى طرف مباشر، لأن ذلك سيجعل منشآتها النفطية هدفًا مفتوحًا في حرب طويلة ومعقّدة.
2. الرهان على المظلة الأميركية، إذ لا يمكن لأي مواجهة شاملة أن تندلع من دون قرار أميركي واضح.
3. انتظار تشكل تحالف دولي ناضج، يضمن الحد الأدنى من التوازن الاستراتيجي في مواجهة إيران، ويمنع انفراد أي دولة خليجية بعبء الحرب وحدها.
وإذا اتسعت رقعة المواجهة، فمن المرجح أن تنضم دول الخليج رسميًا إلى التحالف البحري، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بأمن الطاقة وحماية خطوط الملاحة التي تمثل شريانًا حيويًا لاقتصاداتها.
المونديال والضغط على واشنطن: حرب مفتوحة أم نهاية سريعة؟
من جانب آخر، تجد إدارة ترامب نفسها أمام ضغط سياسي وزمني متصاعد، خصوصًا مع اقتراب استضافة الولايات المتحدة كأس العالم. فاستمرار الحرب سيكون عبئًا على البيت الأبيض من حيث:
• تقلبات أسعار النفط وتأثيرها على الاقتصاد الأميركي
• الحساسية الداخلية تجاه الحروب الطويلة
• الانشغال الأمني الهائل الذي يتطلبه الحدث الرياضي الأكبر عالميًا
وبناءً عليه، تبدو استراتيجية واشنطن متجهة نحو أحد خيارين:
1. اتفاق سريع يمنح ترامب “انتصارًا سياسيًا” قبل المونديال
تسعى الإدارة إلى صياغة إنهاء منضبط للأزمة يوفّر الاستقرار النفطي ويمنح الولايات المتحدة مكسبًا تفاوضيًا واضحًا.
2. أو تصعيد نوعي يجبر إيران على التراجع
وقد يشمل ضربات دقيقة ضد البرنامج النووي أو البنية البحرية الإيرانية، وربما استخدام ذخائر اختراق عالية القوة تشبه في تأثيرها الضربات النووية التكتيكية دون أن تكون كذلك فعليًا.
أي تأخير في الحسم قبل المونديال سيضاعف الضغط الداخلي على ترامب، ما يجعل الحسم العسكري السريع احتمالًا مفتوحًا إذا تعثرت الخيارات السياسية.
خلاصة: معركة المضيق هي معركة التحالفات
في المحصلة، تصريح إيران حول “عبور السفن غير المنخرطة” ليس مبادرة حسن نية، بل حركة دفاعية استباقية لإبطاء تشكّل تحالف دولي واسع ضدها. وفي المقابل، تتعامل دول الخليج وواشنطن بمنطق “إدارة التصعيد” انتظارًا للحظة التي تتضح فيها موازين القوى.
أما مستقبل الحرب، فسيبقى مرهونًا بالتوقيت السياسي الأميركي:
إما اتفاق سريع يحفظ ماء الوجه،
أو ضربة موجعة تُفرض على طهران قبل صافرة انطلاق المونديال الأميركي.
وجدان عبدالرحمن