النفط أداة بيد النظام الإيراني لتوسيع الحرب

الدكتور كريم عبديان

النفط أداة بيد النظام الإيراني لتوسيع الحرب

في خضمّ الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، يبدو أن نظام ولاية الفقيه يدرك جيداً حدود قدرته العسكرية والسياسية. فالنظام يعلم أنه غير قادر على إيقاف الحرب أو حسمها عسكرياً، ولذلك يلجأ إلى سلاح آخر لا يقل خطورة عن الصواريخ والطائرات، وهو سلاح النفط والطاقة.
يعتمد الاقتصاد العالمي بدرجة كبيرة على نفط الشرق الأوسط، ولا سيما نفط دول مجلس التعاون الخليجي التي تشكّل أحد أهم مصادر الطاقة للأسواق العالمية. وإدراكاً لهذه الحقيقة، يحاول النظام الإيراني تحويل النفط إلى أداة ضغط دولية من خلال توسيع دائرة التوتر العسكري في منطقة الخليج، بهدف التأثير في أسواق الطاقة العالمية ودفع القوى الكبرى إلى الضغط لوقف الحرب.
في هذا السياق، وجّهت إيران ضربات أو تهديدات متكررة للبنية التحتية للطاقة في المنطقة، بما في ذلك استهداف منشآت نفطية في الخليج، وقصف أو تهديد ناقلات النفط في الخليج العربي وبالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. كما لم تستثنِ هذه التوترات حتى العراق، الذي يعتمد اقتصاده بشكل كبير على صادرات النفط.
وقد انعكست هذه التطورات فوراً على الأسواق العالمية. فقد شهدت أسعار النفط ارتفاعاً حاداً مع تصاعد المخاوف من تعطّل الإمدادات. ففي بداية التصعيد ارتفع خام غرب تكساس الأمريكي بنحو 8% ليصل إلى أكثر من 72 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام برنت إلى نحو 79 دولاراً للبرميل.
لكن هذه الارتفاعات لم تكن سوى بداية موجة صعود أكبر. فمع استمرار التوترات والهجمات على البنية التحتية للطاقة وتعطّل الملاحة في مضيق هرمز، ارتفعت الأسعار بشكل أكبر لتقترب من 90 دولاراً للبرميل في بعض التداولات، وسط مخاوف من فقدان ملايين البراميل يومياً من الإمدادات العالمية.
ويرجع السبب في حساسية الأسواق إلى أن نحو 20٪ من تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل أي تهديد للملاحة فيه كفيلاً بإرباك الاقتصاد العالمي ورفع الأسعار بسرعة.
يبدو أن النظام الإيراني يراهن على هذه الحقيقة. فهو يسعى من خلال توسيع دائرة التوتر وضرب مصادر الطاقة إلى دفع أوروبا والدول الصناعية الكبرى إلى الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف الحرب، خوفاً من أزمة طاقة عالمية وارتفاع التضخم وركود الاقتصاد العالمي.
غير أن هذا الحساب قد يكون خاطئاً. فبدلاً من دفع العالم إلى الضغط لوقف الحرب، قد تؤدي هذه السياسات إلى نتيجة معاكسة تماماً، إذ يمكن أن تدفع الدول الكبرى المتضررة من تهديد إمدادات الطاقة إلى تشكيل تحالف دولي أوسع لمواجهة النظام الإيراني، خصوصاً إذا استمرت الهجمات على البنية التحتية للطاقة أو تعطلت الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة.
إضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا التحالف قد يجد صدى لدى كثير من الشعوب داخل إيران نفسها، ولا سيما القوميات غير الفارسية التي عانت لعقود من سياسات التهميش، ومن بينها الشعب العربي الأهوازي الذي تقع فوق أراضيه أهم حقول النفط والغاز في البلاد، والذي يسعى إلى نيل حقوقه القومية والسياسية.
في النهاية، يبدو أن النظام الإيراني يحاول استخدام النفط كسلاح سياسي لإيقاف الحرب أو تغيير مسارها. لكن التاريخ يُظهر أن تحويل الطاقة إلى أداة ابتزاز دولي غالباً ما يؤدي إلى تدويل الصراع وتوسيعه بدلاً من احتوائه. وعندها قد يجد النظام نفسه في مواجهة ليس فقط مع الولايات المتحدة وحلفائها، بل مع تحالف دولي أوسع يسعى لحماية أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي.

شاهد أيضاً

منظمة حقوق الإنسان الأهوازية ترحب بقرار البرلمان الأوروبي حول انتهاك. حقوق الإنسان في إيران

منظمة حقوق الإنسان الأهوازية ترحب بقرار البرلمان الأوروبي حول انتهاك. حقوق الإنسان في إيران ترحب …