المذهب واللغة الفارسية: المشروع الثقافي الجديد للسياسة الإيرانية الراهنة

المذهب واللغة الفارسية: المشروع الثقافي الجديد للسياسة الإيرانية الراهنة

جابر احمد

2025 / 12 / 9

قامت الدولة الحديثة في إيران على يد رضا شاه بهلوي فوق أنقاض الحركة الدستورية، بوصفها دولة قومية مركزية ذات أسس أيديولوجية إقصائية. فقد استند المشروع البهلوي إلى عدة مرتكزات، في مقدّمتها النزعة العرقية المستمدة من نظرية العِرق الآري، ومعاداة السامية، ثم لاحقًا معاداة العرب والإسلام، بوصف الإسلام عنصرًا «غير إيراني» معيقًا لمشروع القومية الفارسية كما تصوّرته النخبة البهلوية.

وقد عزّز هذا المشروع تقديس تاريخ إيران القديم وإعلاء اللغة الفارسية كلغة الدولة الوحيدة، مع تجاهل ممنهج لتاريخ ولغات القوميات غير الفارسية، مثل العرب والترك والكرد والبلوش وغيرهم. إلى جانب ذلك، تبنّت الدولة البهلوية سياسة التوسّع الإقليمي وسياسة التشييع القسري الموجّه كأداة للنفوذ السياسي والثقافي لمشروع نظام ولاية الفقيه الجديد في المنطقة.

من الدولة البهلوية إلى الجمهورية الإسلامية: تغيّر في الشكل لا في المضمون

عقب سقوط النظام الملكي عام 1979، تغيّر الاسم من المملكة الإيرانية البهلوية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أنّ هذا التحوّل ظلّ في جوهره تغيّرًا شكليًا. فقد حافظ النظام الجديد على معظم الأسس التي قامت عليها الدولة القومية العنصرية الإيرانية، بل أعاد إنتاجها ضمن إطار ديني–مذهبي.

حيث واصل نظام ولاية الفقيه سياسات التوسّع الإقليمي، ولكن هذه المرة تحت غطاء «نصرة المستضعفين»، كما أعاد تثبيت التشيّع كأيديولوجيا رسمية عابرة للحدود. وفي السنوات الأخيرة، أضيف عنصر جديد أكثر خطورة تمثّل في ربط فهم التشيّع وتلقّيه بالضرورة اللغوية الفارسية، بحيث لم يعد التشيّع مجرد مذهب ديني وحسب، بل بوابة للاندماج الثقافي الفارسي.

اللغة الفارسية بوصفها أداة أيديولوجية

مع مرور الوقت، لم يَعُد نشر اللغة الفارسية كما الحال سابقًا محصورًا بالمراكز الثقافية التابعة للسفارات الإيرانية في الدول العربية والإسلامية، بل انتقل اليوم إلى فضاء التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، مستخدمًا أساليب حديثة موجّهة للأطفال والشباب والكبار على حد سواء. ويُلاحظ أن كثيرًا من هذه المواد تُقدَّم تحت عناوين دينية أو عقائدية، بحيث يُروَّج لفكرة ضمنية مفادها أن الفهم «الصحيح» للمذهب لا يكتمل دون تعلّم اللغة الفارسية.

وهنا تنتقل اللغة من كونها وسيلة تواصل إلى أداة للهيمنة الرمزية، إذ يصبح المتشيّع، بوعي أو دون وعي، جزءًا من منظومة ثقافية ولغوية تتجاوز الإيمان الديني إلى التموضع الحضاري والسياسي.

المذهب بوصفه مشروع نفوذ لا دعوة دينية

إن إصرار النظام الإيراني على اقتران التشيّع باللغة الفارسية يكشف أن الهدف ليس نشر مذهب ديني فحسب، بل تفريغ الهويات العربية والإسلامية من خصوصياتها التاريخية واللغوية، وإعادة تشكيلها داخل إطار ثقافي فارسي الملامح يُنتج تبعية فكرية طويلة الأمد.

ويستحضر هذا النهج تجربة حسن الصبّاح صاحب قلعة ألموت، حين فرض على أتباعه استخدام اللغة الفارسية بدل اللغة العربية في الطقوس الدينية، كوسيلة لضبط الهوية وبناء جماعة مغلقة ثقافيًا وعقائديًا. إن استدعاء هذه التجربة التاريخية ليس مصادفة، بل يعكس استمرارية في توظيف اللغة كأداة سلطة داخل المشروع الفكري الإيراني.

 

وخلاصة القول

 

إن الجمع بين نشر المذهب ونشر اللغة الفارسية ليس جهدًا ثقافيًا بريئًا، بل هو استراتيجية مدروسة للهيمنة الناعمة تهدف إلى توسيع النفوذ الإيراني خارج الحدود، وإعادة تشكيل الوعي الديني بما يخدم المصالح السياسية التوسعية لنظام ولاية الفقيه، بالإضافة إلى إضعاف اللغات والهويات الوطنية في المجتمعات العربية والإسلامية وخلق نخب دينية وثقافية مرتبطة عضويًا بالمركز الإيراني، وهو نظام ولاية الفقيه.

وعليه، فإن هذا المشروع يمثّل خطرًا ثقافيًا وسياسيًا حقيقيًا، يتطلّب وعيًا نقديًا ومواجهة فكرية تؤكد على فصل المذهب عن اللغة، والدين عن القومية، وتحفظ للمجتمعات العربية والإسلامية لغاتها وهوياتها وتاريخها.

شاهد أيضاً

منظمة حقوق الإنسان الأهوازيةتدين اعتقال المواطن العربي الأهوازي حسن البتراني

منظمة حقوق الإنسان الأهوازيةتدين اعتقال المواطن العربي الأهوازي حسن البتراني تدينوزمنظمة حقوق الانسان الاهوازية اعتقال …