النظام الإيراني يشّدد قبضته الأمنية داخلياً ويُزيد وتيرة الاعدامات

النظام الإيراني يشّدد قبضته الأمنية داخلياً ويُزيد وتيرة الاعدامات

منذ اللحظة الأولى لقيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، إرتبطت بنية النظام الجديد بثقافة «العقاب الثوري» التي جعلت من الإعدام والقمع أداة لتثبيت السلطة وإسكات المعارضة. فبعد سقوط نظام الشاه، لم يسعَ النظام الوليد إلى بناء توافق وطني أو عقد اجتماعي جديد، بل إعتمد اولاً على تصفية رموز النظام السابق، ثم على توسيع مفهوم العدو الداخلي ليشمل كل من يعارض ولاية الفقيه أو ينتقدها.
خلال الشهور الأولى من الثورة، نُفّذت مئات الإعدامات الميدانية بحق ضباط الجيش وأعضاء الأجهزة الأمنية السابقة، وسرعان ما تحوّل ذلك إلى نظام ممنهج ودائم من المحاكم الثورية التي تفتقر إلى أبسط معايير العدالة حيث أنتقلت الإعدامات العشوائية الي المناطق غير الفارسية بعد من تفرغ النظام من قمع الجامعات واغلاقها وقمع الحركات والمنظمات السياسية وتمكن من تصفية خصومه في المركز.

ومع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، رسّخ النظام هذا النهج تحت شعار «الدفاع عن الثورة»، فتمّ إعدام آلاف المعارضين السياسيين من منظمة «مجاهدي خلق» والتيارات اليسارية، خصوصاً في مجزرة عام 1988 التي وُصفت بأنها واحدة من أوسع عمليات الإعدام الجماعي في الشرق الأوسط الحديث. تلك الحقبة وضعت الأسس القانونية والسياسية لاستخدام الإعدام كوسيلة للردع والسيطرة، لا كإجراء قضائي محايد.

منذ ذلك الحين، حافظ نظام ولي‌الفقية الذي شرعن الديكتاتورية بالعنوانين الدينية والطائفية على منظومة قمع متعدّدة المستويات حيث تُقدَّم الإعدامات كأداة لـ«حماية المجتمع من الجريمة» أو «الدفاع عن الإسلام» في الظاهر ولكن في الجوهر، استُخدمت لتصفية المعارضين، وإخضاع الأقليات القومية والمذهبية، وترهيب المجتمع عند كل أزمة سياسية أو احتجاج شعبي.

ومن الانتفاضات الطلابية عام 1999، إلى احتجاجات 2009، ومروراً بانتفاضة البنزين عام 2019، ووصولاً إلى احتجاجات «مهسا أميني» في 2022، كان الإعدام هو الخاتمة المتكرّرة لكل موجة اعتراض. واليوم ونحن في عام 2025 بعد أكثر من أربعة عقود على ما يُسمى بالثورة، تُظهر التقارير الدولية أنّ إيران أصبحت من أكثر دول العالم تنفيذاً لعقوبة الإعدام، وأن هذا النهج لم يتراجع بل ازداد اتساعاً وشراسة، لا سيّما ضدّ الأقليات القومية مثل العرب في الأهواز والبلوش والأكراد.
وهكذا، فإنّ تاريخ النظام الإيراني منذ تأسيسه هو تاريخ متّصل لشرعنة العنف تحت غطاء الدين والطائفية والعرقية وباسم القانون، حيث تحوّل الإعدام من استثناء قانوني إلى أداة سياسية مركزية لبقاء السلطة واستمرارها.

في عاميّ 2024 و2025، شهدت إيران ارتفاعًا حادًّا في أعداد الإعدامات، ما أثار إداناتٍ دوليّة كبيرة، ومن ضمنها تقريرٌ للأمم المتحدة قال إنّ الإعدامات جرت “بمعدّل يُثير القلق” وقُدّمت تحذيرات بأن هذا الصعود قد يُوظّف كأداة للقمع وليس فقط للتطبيق العادل للقانون وكانت للأهواز الحصة الأكبر في عدد المعدومين وأغلب نشطاء مدنين لاذنب لهم سوى مظالبتهم بحقوقهم المسروعة وحق الحياة الكريمة.

وكان الأمين العام غوتيرش، عبر تقارير ومشاركة مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، حذّر من أن استخدام عقوبة الإعدام بهذه الوتيرة يعدّ خرقًا لالتزامات إيران بموجب حقوق الإنسان، ويُشكّل تهديدًا لحقّ الحياة والكرامة الإنسانية.
مدى وشدّة التصاعد في وثبرة الإعدامات

حسب تقرير قدمه مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، نفّذت إيران على الأقل 975 إعدامًا خلال عام 2024، وهي أعلى نسبة منذ سنة 2015.

في النصف الأوّل من 2025، وُثّقت ما لا يقلّ عن 612 إعدامًا، أي أكثر من ضعف ما سجل في نفس الفترة عام 2024. وفي يوليو 2025 وحده، نُفّذت قرابة 110 إعدامات، ما يزيد عن ضعف عدد يوليو 2024.

هذا التصاعد يُشكّل علامة ضاغطة بأن إيران قد تتّجه نحو استخدام عقوبة الإعدام ليس فقط في قضايا «القتل والجرائم الخطيرة» بل كذلك في سياقات تشمل انتهاكات حقوق الانسان، وخصوصًا ضدّ الأقليات، والمشتبه بهم في قضايا ما يسمى بـ«أمن الدولة».

دوافع وتفسير إزدياد وتيرة الاعدامات يمكن تحليل الأسباب المتعددة لهذا الصعود في الإعدامات التي بعد جريمة نكراء بحق الانسان والانسانية على القوانين والتشريعات الفضفاضة التي لاتجدها اليوم في اية مكان الا في ايران الذي تحمه قوانين قرون الوسطى حيث تُستخدم في إيران تهم مثل «محارَبة الله» و«فساد في الأرض» مصطلحات واسعة وغامضة لم ولن تراها في قاموس القضاء العالمي على الاطلاق وهذا ما يُتيح إصدار أحكام الإعدام لأشخاص في قضايا غير شفّافة، كذلك هناك مشروع قانون استخباري يُوسّع تعريف التعاون مع الدولة «المعادية» ليشمل اتصالات على الإنترنت أو تعاون إعلامي خارجي، ويُعاقب بالإعدام.

الإعدامات بحق القوميات ما سُمى في‌ التقرير (الأقليات والفئات المهمّشة) التقارير تشير إلى أن نسبة ليست قليلة من الذين نُفّذت في حقّهم الأحكام هم من العرب والبلوش، والأكراد، ما يدلّ على وجود بُعد عنصري إثني داخل نمط التنفيذ في نظام ايران القضائي.

استخدام الإعدام كأداة ردع وقمع مع خلفية التظاهرات التي اندلعت منذ سبتمبر 2022 عقب وفاة مهسا أميني، ومع الأزمة الأمنيّة والضغوط الداخلية، ربما تحاول السلطة الإيرانية أن ترسل رسالة ردع.

البيان الأممي يقول إن «استخدام عقوبة الإعدام يتّخذ نمطًا منهجيًّا كأداة رادع للدولة».

ويوسع النظام دائرة العقوبة للإعدام بقضايا مصنفة أمنيّة أو مرتبطة بالمخدرات حسب تعبيره حيث نحو نصف أو أكثر من الإعدامات في 2024 كانت بداعايا مكافحة المخدرات وعلى خلفية جرائم المخدرات والقتل حيث تمثّل نسبة كبيرة أيضًا.
موقف الأمم المتحدة في تقرير أُطلِق أمام مجلس حقوق الإنسان، صرّح غوتيرش بأن إيران نفّذت الإعدامات «بمعدّل يُثير القلق»، مطالبًا بوقف فوري وتنفيذ قرار بفرض وقف لهذه العقوبة كخطوة نحو إلغائها.

وفي بيان للمفوضيّة، تم التأكيد بأن إيران رفضت حتى الآن السماح بدخول بعثة تحقيق مستقلة من الأمم المتحدة، أي أن الشفافية ما زالت مفقودة.
تأكيد على أن الإجراءات القضائية غالبًا لا تستوفي معايير المحاكمة العادلة: غياب الدفاع المدافِع، محاكمات سريعة، اعترافات تحت التعذيب.
تداعيات سياسية وإنسانية تنفيذ الإعدام بهذه الوتيرة يُعدّ في تناقض صارخ مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الذي تحرّم الإعدام غالبًا أو تشدّد عليه)، ومع توجه عالمي نحو إلغاء هذه العقوبة.

والاستخدام المكثّف للإعدام من قبل النظام قد يزيد من الشعور بالخوف، لكن على المدى الطويل قد يعزّز الاستياء والمواجهة بين المجتمع والدولة وبالتالي يؤدي الى اندلاع ثورة عارمة لامحال وهذا التصعيد يعزّز عزلة نظام إيران دوليًّا في ملف حقوق الإنسان، ويمكن أن يوفر الأدلة والذريعة القانونية لتعزيز العقوبات اكثر فأكثر أو تحديد شروط جديدة في التفاوض مع الغرب أو المنظمات الدولية.

ويشكل إستهداف الأقليات بانعدام المحاكمة العادلة احتقان كبيرة لدي الشارع خاصة في المناءق غير الفارسية التي أصبحت تشعر بانها مستهدفة في هويتها وتُعامل من قبل الحكومات المركزة بشكل استعماري علي اساس عنصري لذا يمكن أن يُعمّق شعور التهميش، ويُؤدي بالمزيد من المطالبات ولمزيد من الحقوق أو حتى الاستقلال الكامل من الدولة المركزية وهذا حق مشروع في الامم المتحدة.
إنّ وتيرة الإعدامات المتصاعدة في إيران تمثّل تحوّلاً خطيرًا في استخدام أقصى العقوبات الجنائية، ويطرح أسئلة حول جدّية النظام الإيراني في التزامه بمعايير حقوق الإنسان الأساسية. تحذيرات غوتيرش ومنظماته تؤكّد أن الأمر انتقل من مجرد «انتهاك فردي» إلى نمط يُحتمل أن يكون أداةً نظامية للقمع. ما يحدث ليس فقط مأساة إنسانية، بل يحمل دلالات سياسية وجيو-استراتيجية.

إنّ الطريق إلى التغيير طويل، ويتطلّب تحرّكًا داخليًا في إيران، وضغطًا دوليًّا مدروسًا، لإجبار النظام المتخلف الايراني للتراجمع من اعماله الاجرامية بحق الشعوب داخل ايران.

غوترش يُحذّر من موجة جديدة من الإعدامات والتعذيب والقمع في إيران حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في تقرير جديد من انتشار موجة جديدة من الإعدامات والتعذيب والقمع في إيران، فضلًا عن أمر رئيس السلطة القضائية بتسريع البت في قضايا “التجسس لصالح إسرائيل”.

ويشير التقرير الجديد للأمين العام للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في إيران إلى زيادة في عدد عمليات الإعدام، حيث أُعدم ما لا يقل عن 612 شخصًا في إيران في النصف الأول من عام 2025، ما يُشير إلى أن عمليات الإعدام خلال هذه الفترة قد زادت بنسبة 119% مُقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأضاف التقرير أن سلطات الجمهورية الإسلامية، مُتجاهلةً التوصيات الدولية بوقف عقوبة الإعدام والحد من الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام، قد زادت من وتيرة إصدار أحكام الإعدام على جرائم مثل جرائم المخدرات أو الجرائم الجنسية التي لا تُؤدي إلى الموت المُباشر ولا مبرر لها.

يشير جزء من التقرير إلى إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلي الاحتجاجات الوطنية عام 2025، بما في ذلك إعدام مجاهد كوركور، ويذكر أن إجراءات المحاكمة في هذه القضايا لم تكن مكتملة، وأن المتهمين أُجبروا على الاعتراف تحت التعذيب.

كما يتناول التقرير الأمر الأخير لرئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، بتسريع معالجة قضايا التجسس والأمن بعد حرب الـ 12 يومًا بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية، مما يزيد من خطر الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الجائرة، بل وحتى الإعدامات المتسرعة.

كما يُقيّم التقرير “مشروع قانون تشديد عقوبة الجواسيس والمتعاونين مع الدول المعادية” باعتباره تهديدًا خطيرًا لحرية التعبير والوصول إلى الإنترنت. وصف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة إصدار أحكام الإعدام والجلد وبتر الأطراف وتعذيب المتهمين في الجمهورية الإسلامية بأنه “مدعاة للقلق”، وأكد أن قمع المواطنين والسجناء قد اشتد بعد حرب الاثني عشر يومًا بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل.

يدعو التقرير الجمهورية الإسلامية إلى وقف جميع عمليات الإعدام، وإطلاق سراح السجناء السياسيين والمعتقلين تعسفيًا، ووقف التعذيب، والانضمام إلى اتفاقية مناهضة التعذيب. من ناحية أخرى، يُطلب من الحكومة وقف قمع النساء بحجة الحجاب وتكثيف القمع الاجتماعي، وإلغاء القوانين التمييزية ضد المرأة.

وكما أكد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، فقد ازداد عدد عمليات الإعدام وغيرها من أشكال القمع في إيران بعد حرب الاثني عشر يومًا بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل.

في الأسابيع الأخيرة، بدأت موجة جديدة من الاعتقالات، ورفع الدعاوى القضائية، والمحاكمات، وإصدار أحكام الإعدام والسجن بحق مواطنين بذريعة “التخابر” و”التجسس” لصالح إسرائيل. وفي الوقت نفسه، أُعدم بعض المتهمين الذين سبق اعتقالهم وحُكم عليهم بالإعدام بتهم أمنية، منها “التجسس لصالح إسرائيل”.

وواجه بعض السجناء الأمنيين، مثل أمير حسين موسوي، الذي اعتُقل في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي بسبب أنشطته في الفضاء الإلكتروني، تهمًا جديدة تتعلق بـ”التواصل” و”التخابر” مع إسرائيل.

كما اتُهم سيسيل كولر وجاك باريس، وهما مدرسان للغة الفرنسية اعتُقلا في إيران ربيع عام 1401 هـ بتهم أمنية منها “العمل ضد الأمن القومي” إلى جانب عدد من النشطاء النقابيين، بـ”التجسس لصالح إسرائيل” في ملف القضية الجديد الذي أعدته الأجهزة الأمنية، وحُكم عليهما بالسجن لمدد طويلة.
من ناحية أخرى، يُعدّ إغلاق الفضاء الاجتماعي أيضًا من أولويات الحكومة، مع عودة دوريات الإرشاد الإسلامي وضباط القمع إلى الشوارع، وإغلاق الوحدات النقابية على نطاق واسع، من المقاهي والمطاعم إلى النوادي الرياضية والمعارض الفنية، بحجة “عدم مراعاة الآداب الإسلامية”.

كما سرّعت الجمهورية الإسلامية وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام. وقد أدى هذا التنفيذ السريع لأحكام الإعدام في الأسابيع الأخيرة إلى إضراب جماعي عن الطعام شارك فيه أكثر من ألف سجين في سجن قزل هزار. وقد دفع استمرار هذا الإضراب لمدة أسبوع السلطات القضائية في الجمهورية إلى التراجع. وتمكنت السلطات القضائية من إقناع السجناء بإنهاء الإضراب من خلال وعدها بوقف تنفيذ أحكام الإعدام في هذا السجن لمدة ستة أشهر، ومراجعة القضايا التي صدرت فيها أحكام الإعدام النهائية بحق المتهمين.
أفادت وكالة أنباء حقوق الإنسان “هرانا” أنه في الفترة من 10 أكتوبر/تشرين الأول 2024 إلى 8 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعدمت السلطة القضائية في الجمهورية الإسلامية 1537 شخصًا، منهم 8 أُعدموا علنًا.

وأفادت وكالة “هرانا” أن من بين ضحايا الإعدام الذين تم تحديد هويتهم، 49 امرأة، و3 منهم دون سن 18 عامًا وقت ارتكاب الجريمة.

وفي إحصائية أخرى، أعلنت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية في 8 أكتوبر/تشرين الأول، في تقرير لها بمناسبة “اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام”، أن الجمهورية الإسلامية أعدمت ما لا يقل عن 1105 أشخاص منذ بداية هذا العام.

كما دعت منظمة العفو الدولية إلى الوقف الفوري لعمليات الإعدام، مشيرةً إلى أنه خلال الأشهر العشرة الماضية ومنذ بداية عام 2025، تم الإبلاغ عن أكثر من ألف عملية إعدام في إيران.

وأضافت منظمة العفو الدولية أن معظم أحكام الإعدام تصدر “بعد محاكمات جائرة وبهدف” بث الخوف وقمع الاحتجاجات ومعاقبة المتظاهرين.

دعا حسين باومي، نائب مدير منظمة العفو الدولية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الخميس 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025، الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى “التصدي بشكل عاجل لموجة الإعدامات الصادمة في إيران”.
وأكد نائب مدير منظمة العفو الدولية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن “الإعدامات وصلت إلى مستويات لم نشهدها منذ عام 1989”.

اللجنة الاعلامية لحزب التضامن الديمقراطي الأهوازي

شاهد أيضاً

منظمة حقوق الإنسان الأهوازية ترحب بقرار البرلمان الأوروبي حول انتهاك. حقوق الإنسان في إيران

منظمة حقوق الإنسان الأهوازية ترحب بقرار البرلمان الأوروبي حول انتهاك. حقوق الإنسان في إيران ترحب …